الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق؛ ليظهره على الدين كله، وكفى بالله شهيدًا، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد المبعوثِ بالحقِّ للخلق كافة بشيرًا ونذيرًا، وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
فقد اقتضت مشيئة الله السابقة: أن يختلف الخلق، ويفترق سعيهم في هذه الحياة، فمن ساعٍ إلى مرضاة الله وجنَّته، ومن عاملٍ بمعصية الله ومتعرِّضٍ لعقوبته! قال تعالى: {إِنَّ سَعۡيَكُمۡ لَشَتَّىٰ} [الليل: 4].
وقال سبحانه: {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمۡ فَمِنكُمۡ كَافِرٞ وَمِنكُم مُّؤۡمِنٞۚ} [التغابن: 2].
وكان من شأن الكفار: معاداة المؤمنين، وعلى رأسهم: صفوة الخلق من الأنبياء والمرسلين، قال تعالى: {وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّٗا مِّنَ ٱلۡمُجۡرِمِينَۗ} [الفرقان: 31].
وقال سبحانه: {إِنَّ ٱلۡكَٰفِرِينَ كَانُواْ لَكُمۡ عَدُوّٗا مُّبِينٗا} [النساء: 101].
وقد اتخذت تلك العداوة صورًا وأشكالًا شتَّى؛ فتارةً تكون بأفواههم، وعلى إعلامهم!.
قال تعالى: {قَدۡ بَدَتِ ٱلۡبَغۡضَآءُ مِنۡ أَفۡوَٰهِهِمۡ وَمَا تُخۡفِي صُدُورُهُمۡ أَكۡبَرُۚ} [آل عمران: 118].
وتارةً تكون قتالًا بأيديهم وبأسلحتهم!
قال سبحانه: {وَلَا يَزَالُونَ يُقَٰتِلُونَكُمۡ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمۡ عَن دِينِكُمۡ إِنِ ٱسۡتَطَٰعُواْۚ} [البقرة: 217].
غير أن الأخطر من تلك الصور والمحاولات هي: الفتنة في الدين!.
قال سبحانه: {وَٱلۡفِتۡنَةُ أَشَدُّ مِنَ ٱلۡقَتۡلِۚ} [البقرة: 191].
وقال جل وعلا: {وَٱلۡفِتۡنَةُ أَكۡبَرُ مِنَ ٱلۡقَتۡلِۗ} [البقرة: 217].
ثم إن الفتنة في الدين قد اتخذت-أيضًا-صورًا متعددةً، لكن أخطرها وأشدها فتكًا: تبديل الدين، بعد العبث بثوابت العقيدة والشريعة!
وتمريرًا لذلك الكيد فقد عُرفت في العصر الحديث-قبل عدة عقود-دعواتٌ للإخاء الدينيِّ والتقريب والتقارب بين الأديان، وأُسِّستْ جمعيات للصداقة والزمالة والتضامن بين الأديان، ثم كشف أرباب تلك الدعوات الخدَّاعات عن دخيلة صدورهم، ومكنون إفكهم؛ فأخرجوا شعاراتٍ جديدةً، مثل: وحدة الأديان، وتوحيد الأديان الثلاثة، والدين العالمي الموحَّد، وأسموا ذلك الإفك العالمي بـ(الديانة الإبراهيمية!)، وما ينشأ عنها بـ(الوحدة الإبراهيمية)!
وزادوا في غيِّهم وباطِلهم بمحاولة إعداد كتبٍ مقدسةٍ جديدةٍ، تحلُّ محلَّ الكتب السماوية، ومراكزَ مقدسةٍ تكون عوضًا عن مقدسات الأديان، ثم امتدَّ العبث إلى طقوس عبادية مشتركة، واستعانوا على مكرهم العالمي بمن فتنوهم، أو استغفلوهم من المنتسبين إلى الإسلام من علماء ودعاة! لتكون النتيجة: تصدي هؤلاء الشيوخ لتمرير أول الخديعة إلى بلاد المسلمين، ثم يكمل الساسة بقية الإفك المبين؛ مستعينين بمرتزقة من الإعلاميين، وجهلة من عوام المسلمين!
ولأجل ترويج هذا الكفر الصراح عُقدت مؤتمرات عدة لضلالة القرن: الإبراهيمية المزعومة، ليس أولها ولا آخرها مؤتمر شرم الشيخ بمصرَ عام 1416هـ -1996م، حيث أُوعز إلى كبار المتحدثين: أن تكون كلمتهم حول الرابطة الجامعة الجديدة بين المسلمين والكفار، والأبرار والفجار، وهي: الإبراهيمية!
إنها الضلالة التي يُضِلُّون بها المسلمين، أما اليهود والنصارى والشيوعيون واللادينيون فحسبهم من هذه الضلالة: رضا المسلمين بالكفر والشرك بأنواعه، وتنازلهم عن أقصى المسلمين، ومقدَّسات فلسطين، وتطبيعٍ دينيٍّ بجوارِ آخَرَ سياسيٍّ، يُفضي في النهاية إلى بسط سلطان الصهاينة، وأوليائهم من الصليبيين الإنجيليين على بلاد المسلمين، وتهيئة الأجواء لمجزرة عالمية كونية ختامية اسمها: (هرمجدُّون)؛ تمهيدًا لنزول السيد المسيح الذي سيكون على دين التوحيد، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويحكم بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم! فيما ينتظر اليهود مسيح الضلالة الذي يقتله المسيح عيسى ابن مريم!
وأما النصارى فينتظرون المسيح الذي هو إله، أو ابن إله!، وهذا لا وجود له أمسِ، ولا اليومَ، ولا غدًا!
ومن أجل هذه العقائد الباطلة يعطي النصارى القدسَ لليهود؛ لأنهم يعتقدون أن قاعدة ملكه حين ينزل ستكون هي: القدسَ، أو بيتَ المقدس التي يسمونها: (أورشليم)!
والحق الذي لا مرية فيه: أن عيسى -عليه السلام- سينزل في آخر الزمان، كما أخبر النبي العدنان ﷺ بقوله: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُوْشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيْكُمُ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَدْلًا، فَيَكْسِرَ الصَّلِيْبَ، وَيَقْتُلَ الْخِنْزِيْرَ، وَيَضَعَ الْجِزْيَةَ…»([1])، فيصير الدين واحدًا، ولا يبقى أحد من أهل الذمة يؤدي الجزية.
وقد أجمعتِ الأمة على ذلك، فلم يخالف في ذلك أحد من علماء الشريعة المعتَبَرين، وأما خلاف الملاحدة والزنادقة والفلاسفة فمضروب به عُرض الحائط!
وبنزول عيسى -عليه السلام- الرَّدُّ على زعم يهود بأنهم قتلوه، ولإظهار أنه تبعٌ لمحمد ﷺ في دينه وهو رد على زعم النصارى، وليقضي بنفسه على فتنة دجال اليهود فيقتله، ثم ليموت كغيره من بني البشر، فيتحقق كل أحد من بشريته، ويدفن كما دُفن غيرُه من أنبياء الله تعالى.
وهذه الرسالة تكشف شيئًا من عوار هذه النحلة المفتراة، والملة المدعاة، التي تربط ضلالتها بسلسلة من الكيد الماكر، والإفك الظاهر!
غير أنها اتخذت من أسباب التلبيس ألوانًا جديدة يخادعون بها الشعوب عبر رشاوى من التنمية تارةً، واستعمالٍ لبابا النصارى وبعض شيوخ المسلمين تارةً أخرى!
ولتكون إبراهيميتهم دين أبرهة الجديد الذي يَصرِفون الخلق إليه عن الحنيفية السمحة دينِ إبراهيمَ وكلِّ نبيٍّ ختامًا بمحمدٍ ﷺ.
والواجب على كل مسلم اليوم: أن يستبين سبيل المجرمين، وأن يعمل كل مسلم-حسب قدرته وجهده-على أن ينتشر الوعي المجتمعي بضلالة القرن، وأن يفهم أهل الإسلام مآلاتِ هذه الدعوة الكفرية الخبيثة على المسلمين دينيًّا، وسياسيًّا، واقتصاديًّا، وتربويًّا، وفكريًّا، وأن تُدرِك ناشئةُ المسلمين حقائقَ الصراع وثوابتَ الدين معًا.
وأن يرابط أبناء الأمة جميعًا على حماية مقدسات المسلمين، لا سيما الأقصى والقدس الشريف، وأن تظل روح المقاومة والمجاهدة حيَّةً في النفوس، وأن ينبذ المسلمون حالةَ الفُرقة والشقاق، ويتحدوا صفًّا واحدًا مجتمعينَ في وجه أعداء الملة والدين.
وعلى العلماء وطلبة العلم وأهل الحل والعقد في الأمة: أن يُنكروا على من استزلَّهم الشيطان ببعض ذنوبهم، فلحقوا بركب التطبيع من الحكام، وساروا في قافلة الإبراهيميين من علماء السوء، ودعاة الفتنة في الدين.
إن عودة أفكار الدين العالميِّ الموحَّد تدقُّ ناقوسَ خطرٍ ينادي بأهمية إصلاح التعليم الديني الذي طالته يد التحريف والعبث، وإصلاح وتقويم مسيرة الإعلام الذي حرفته الشهوات والشبهات عن أداء واجبه الرسالي في بلاغ محكمات الإسلام وثوابته، والتصدي لحملات الإلحاد والتغريب والعلمنة، ومواجهته تغوُّل مؤسسات العلمانية واللادينية في عدد من بلاد المسلمين، وإضعافها لمؤسسات المجتمع المسلم المرابط على ثغور الأمة.
وأخيرًا: فإن ضلالة القرن تسعى جاهدةً مع صفقة القرن إلى إضعاف الدولة القومية الحديثة، وإثبات فشلها، والسعي في تقسيمها؛ تمهيدًا لسقوطها في المنطقة العربية؛ لِتَخْلُفَها إسرائيلُ الكبرى!
وعليه؛ فإن من سعى في تلك الصفقة الخاسرة والملة الكافرة فإنما هو كمن يسعى لحتفه بظلفه! ويعين عدوَّه على نفسه! ويخرب بيته بيده وبيد أعدائه!
فاللهم أَجِرِ الأمةَ من إمارة السفهاء، ومن فسقة العلماء، ومن جهلة العامة والدهماء، وأبرم للأمة أمرًا رشيدًا، وهيِّئ لها عملًا سديدًا، وعلماءَ ربانيين، وحكامًا صالحين، برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلَّى الله وسلَّم وبارك على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وآخر دعوانا أنِ الحمد لله ربِّ العالمين
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
([1]) أخرجه البخاري (222)، ومسلم (155) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
