الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:
فإن الجهاد ذروة سنام الإسلام، وأصل من أعظم أصوله، وهو بيعة ماضية في أعناق المؤمنين، وهو الصفقة الرابحة في الدنيا والآخرة، قال تعالى: { إِنَّ ٱللَّهَ ٱشۡتَرَىٰ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَنفُسَهُمۡ وَأَمۡوَٰلَهُم بِأَنَّ لَهُمُ ٱلۡجَنَّةَۚ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيَقۡتُلُونَ وَيُقۡتَلُونَۖ وَعۡدًا عَلَيۡهِ حَقّٗا فِي ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَٱلۡإِنجِيلِ وَٱلۡقُرۡءَانِۚ وَمَنۡ أَوۡفَىٰ بِعَهۡدِهِۦ مِنَ ٱللَّهِۚ فَٱسۡتَبۡشِرُواْ بِبَيۡعِكُمُ ٱلَّذِي بَايَعۡتُم بِهِۦۚ وَذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ} [التوبة: 111].
وقال ﷺ: «تَكَفَّلَ اللَّهُ لِمَنْ جَاهَدَ فِي سَبِيلِهِ، لاَ يُخْرِجُهُ إِلَّا الجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ، وَتَصْدِيقُ كَلِمَاتِهِ بِأَنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، أَوْ يَرْجِعَهُ إِلَى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ، مَعَ مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ»، متفق عليه([1])، وما ذاك إلا لأنه سبب تعبيد الناس لربِّ الناس.
وللجهاد في الإسلام أهداف وغايات:
أ-فهو من أعظم وسائل إزالة العقبات، وفتح الطريق أمام الدعاة، وإزالة الفتنة عن الناس أجمعين: { وَقَٰتِلُوهُمۡ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتۡنَةٞ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ لِلَّهِۖ} [البقرة: 193].
« بُعِثْتُ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ بِالسَّيْفِ حَتَّى يُعْبَدَ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ »([2]).
ب-وهو سبيل الدفع عن المستضعفين، وطريق تحرير المقدسات والأوطان من كل عدوانٍ، قال تعالى: { وَمَا لَكُمۡ لَا تُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلۡمُسۡتَضۡعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلۡوِلۡدَٰنِ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخۡرِجۡنَا مِنۡ هَٰذِهِ ٱلۡقَرۡيَةِ ٱلظَّالِمِ أَهۡلُهَا} [النساء: 75].
« الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام »([3]).
ج-وكما هو لرَدِّ اعتداء المعتدين، وإزالة الفتنة عن المدعوين، فهو لإرهاب أعداء الدين، وردع المجرمين، وتقوية دولة المسلمين.
قال تعالى: { وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن قُوَّةٖ وَمِن رِّبَاطِ ٱلۡخَيۡلِ تُرۡهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمۡ وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمۡ لَا تَعۡلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعۡلَمُهُمۡۚ} [الأنفال: 60].
د-وفي الجهاد منافع؛ منها: تمحيص صفِّ المؤمنين، وتطهيرهم من رجس المنافقين، وتربيتهم على الصبر واليقين: { وَلِيُمَحِّصَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَمۡحَقَ ٱلۡكَٰفِرِينَ} [آل عمران: 141]، { مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ عَلَىٰ مَآ أَنتُمۡ عَلَيۡهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلۡخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِۗ} [آل عمران: 179]، { لِيُحِقَّ ٱلۡحَقَّ وَيُبۡطِلَ ٱلۡبَٰطِلَ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡمُجۡرِمُونَ} [الأنفال: 8].
وليس للجهاد غاية ينتهي إليها إلا إحدى الحسنيين: النصر أو الشهادة!
وللجهاد معنى عام يتناول بذل كل جهدٍ، واستفراغ كل وُسعٍ في نصرة هذا الدين؛ سواء أكان هذا بالسيف والسِّنان أم كان بالحجة والبيان.
وفي الحديث: « أَفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ »([4]).
والجهاد للكفار بالنفس والمال ماضٍ إلى يوم القيامة، وإنكارُ وجوبه إنكارٌ لمعلومٍ من الدين بالضرورة، وادِّعاء نسخِهِ أو تخصيصِهِ بجهاد الكلمة بدعةٌ في الدين وضلالةٌ، ونقصٌ في العقل وسفاهةٌ، وغفلةٌ عن الواقع وجهالةٌ.
والجهاد فرض كفاية على مجموع الأمة، ولا يتعيَّن على جميعها إلا في مواضع:
-إذا عيَّن حاكم المسلمين أحدًا بعينه.
-إذا استنفر الحاكم أهل مَحَلَّةٍ بعينها.
-عند حضور القتال والْتحَام الصفوف.
-لاستنقاذ أسارى المسلمين.
-إذا لم تقم بأهل الإسلام كفاية لدفع عددهم النازل بمَحلَّتهم.
فحين يتغلَّب عدوٌّ على ديار المسلمين فيستلبها، يتعيَّن الدفع على كل قادرٍ حاضرٍ من أهل تلك الديار.
ثم على مَن وليهم من أهل الآفاق، حتى تُحمَى حوزة الدين، وتُصَان بيضة المسلمين.
وترك الجهاد في سبيل الله، والنكوص عنه، طريق الهلكة والخسران في الدنيا والآخرة! وسبب الذلِّ والهوان، ومدعاة البلاء والعذاب.
وفـي الحديث: « مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ، وَلَمْ يُحَدِّثْ بِهِ نَفْسَهُ، مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاقٍ »، ([5]).
وعند العجز عنه، يجب الاستعداد له، قال شيخ الإسلام: «كما يجب الاستعداد للجهاد بإعداد القوة ورباط الخيل في وقت سقوطه للعجز، فإنَّ ما لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب»([6]).
وإذا كانت الحرب سِجالًا بين المؤمنين وأعدائهم، فذلك لحكمةٍ يعلمها الله وحده.
قال تعالى: {وَلَوۡ يَشَآءُ ٱللَّهُ لَٱنتَصَرَ مِنۡهُمۡ وَلَٰكِن لِّيَبۡلُوَاْ بَعۡضَكُم بِبَعۡضٖۗ} [محمد: 4].
ثم إن الجولة الختامية والدولة النهائية لحزب الله المؤمنين: {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَيَوۡمَ يَقُومُ ٱلۡأَشۡهَٰدُ} [غافر: 51].
{وَلَقَدۡ سَبَقَتۡ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلۡمُرۡسَلِينَ ١٧١ إِنَّهُمۡ لَهُمُ ٱلۡمَنصُورُونَ ١٧٢ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلۡغَٰلِبُونَ ١٧٣} [الصافات: 171-173].
تاريخ الجهاد وعلاقته بالدولة المسلمة حتى الواقع المعاصر:
لم تترك الأمة المسلمة الجهاد في مرحلةٍ من مراحلها قط! وقد كان هذا من وظائف الدولة المسلمة عبر تاريخها المجيد من لدن الدولة المدنية التي أنشأها نبيُّنا ﷺ بالمدينة، مرورًا بالراشدة، فالأُمويَّة، فالعباسية، فالعثمانية!
فلمَّا أسقطت الخلافة العثمانية على يد العلمانية، نُكِّست رايات الجهاد التي قامت على رفعها دول إسلامية، ونُحِّيت الشريعة الإلهية، وحُكِّمت القوانين الوضعية!
ومع هذا، فإن الجهاد الذي تعطَّل على أيدي حكومات قومية لم يُعطَّل على أيدي جماعات وطوائف إسلامية بحيث يصح القول: إن رايات الجهاد الإسلامي ما نُكِّست أبدًا، ولو أن رايةً سقطت في بلدةٍ ما، أو زمنٍ ما، لارتفعت رايات بديلة في بلاد عديدة!
مصداق حديثه ﷺ: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»([7])، فلمَّا نكلت كثيرٌ من الدول الحديثة عن واجب الجهاد، قامت به طوائف وجماعات.
ذلك أن الخلافة العثمانية لمَّا دخلت الحرب العالمية الأولى التي اندلعت في 1914م، وخرجت منها مهزومةً مع دول المحور في عام 1918م، ترتب على ذلك أمورٌ كثيرةٌ؛ منها:
1-تداعي الخلافة العثمانية وانهيارها 1924م.
2-تقسيم الوطن العربي كغنائم لدول الحلفاء فيما أطلق عليه اتفاقية (سايكس بيكو) 1915م.
3-وعَدت بريطانيا اليهود بوطنٍ قوميٍّ في فلسطين، وجاء (وعد بلفور) 1917م.
4-ظهر مصطلح: (الدولة القومية) لأول مرة في تاريخ المسلمين كبديلٍ عن (الدولة الإسلامية) التي تُمثِّل الأمة الواحدة!
5-ترافق مع ذلك إقصاء الشريعة، وتحكيم العلمانية، وتنكيس رايات الجهاد.
6-وبدأ قرنٌ من الصعود الأمريكي، والتبعية العربية للهيمنة الغربية والأمريكية.
7-تحول المجتمع المسلم إلى الحفاظ على الهُويَّة الإسلامية، وظهور خطابات محافظة على الإسلام والهُويَّة الدينية والثقافية والحضارة الإسلامية، وإيجاد كيانات إسلامية ساعية لتحكيم الشريعة وإقامة الجهاد…
8-دخلت بلاد كثيرة في مواجهات مع الاستعمار الغربي، كان الجهاد للمستعمر شعارها، كما في ليبيا والجزائر وغيرها، وجيء بنُظُمٍ مواليةٍ للمستعمر!!
9-دخلت الجماعات الإسلامية المصرية والهندية وغيرها في مواجهاتٍ داخليةٍ مع تلك الأنظمة القومية المُستبدَّة، ومارست ألوانًا من التغيير الدعوي والفكري والسياسي، بل والجهاد ضد اليهود في فلسطين.
وباندلاع الحرب الأفغانية وجد الغرب الفرصة سانحةً للاستعانة بالجهاد ومصطلحه في دَقِّ المسمار الأخير في نعش الاتحاد السوفيتي.
وفي سبيل تلك الحرب بين أمريكا وروسيا دعم الجهاد الأفغاني من دول الشرق الأوسط المتحالفة مع أمريكا لتنشأ مدرسة الجهاد المعاصر بعد نحو ستة عقودٍ من سقوط الخلافة بحيث إنه وبمجرد انقضاء الثمانينات، ودخول أوائل التسعينيات، سقط الاتحاد السوفيتي، وتفكَّكت دوله عام 1991م لتنتهي الحرب مُسْفرةً عن وجود المجاهدين على سُدَّة الحكم بالبلاد، وهو ما لم تَحسب له تلك الدول حسابًا، ولم يلبث الأمر إلا قليلًا حتى قام جهاد بوسني، وآخر شيشانـي، بالإضافة إلى الانتفاضة الفلسطينية الجهادية لليهود!
وبمُجرَّد سقوط الدُّب الروسي، كان المعسكر الغربي قد اتخذ عدوًّا جديدًا أعلن عن مُنازلتِهِ!
عبر عنه بالخطر الأخضر، إنه الإسلام!
وللحق، فإنَّ العداء الغربي للإسلام ونبيِّه قديمٌ قدم التاريخ.
يقول الكاتب الإنجليزي (جلوب): «إن مشكلة الشرق الأوسط تعود إلى القرن السابع للميلاد»، أي: إلى تاريخ ظهور الإسلام، وبزوغ فَجْره، والرئيس الأمريكي الأسبق (ريتشارد نيكسون) يذكر في كتابه (الفرصة السانحة): «إنَّ العداء للمسلمين هو الأكثر شيوعًا، والأسوأ صورةً لدى الأمريكيين، وليس هناك صورة أسوأ في ذهن وضمير المواطن الأمريكي من صورة العالم الإسلامي».
وإن من آتاه الله البصيرة ليعلم علم اليقين أن آخر هذه الأمة لا يصلح إلا بما صلح به أولها، وأن اليهود والنصارى لن يرضوا عن المسلمين حتى يتبعوا ملتهم، وأن المفلح من أهل الإسلام هو من أثبت نفسه في ميادين البذل والجهاد، والعاقبة للمتقين، والحمد لله رب العالمين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
([1]) أخرجه البخاري (3123)، ومسلم (1876) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
([2]) أخرجه أحمد (5115) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
([3]) البداية والنهاية، لابن كثير (9/622).
([4]) أخرجه أبو داود (4344)، والترمذي (2174) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
