الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وآله وصحبه، ومن تبع هداه، وبعد:
فلقد كانت الانتخابات التركية-وبحقٍّ-شاغلَ العالم في الأسابيع الأخيرة، وإن كانت تركيا شاغلةً الدولَ الغربية والإقليمية بسياساتها واستخباراتها على حدٍّ سواءٍ!
ولقد مثَّل الصعودُ الأردوغانـيُّ في الانتخابات الحزبية والرئاسية حدثًا هائلَ الدلالات، متعددَ الانعكاسات على مختلف القضايا والأصعدة، ولقد سُرَّ بنتائج هذه الانتخابات أقوام كما تضرَّر منها آخرون!
وإن هذا الحدث لممَّا يتعين التدبُّرُ في دلالاته، والتأمُّلُ فيما يُنتظر من مآلاته، وهذا المقال إنما يخصص للدلالات، على نحو تُستفاد منه العبرة، وتُستقَى منه الأسوة، لا سيما لأولئك الذين تشرئِبُّ أعناقُهم لتحصيل التمكين السياسي، فإلى هذه الدلالات:
أولًا: أهمية بناء الوعي الشعبي، والقناعة الجماهيرية:
لقد مثَّل خروجُ نحو (89 %) من الشعب التركي ليمارس حقَّه في اختيار من يحكمه انتصارًا للوعي بالحق في الاختيار، وممارسة ذلك الحق بوعي راشد؛ بحيث لم تُسجَّل حالاتٌ من التعدي على الإرادة، أو تزوير النتائج، ولقد تأكَّد هذا الوعي في خروج نحو (84 %) من الناخبين في الجولة الثانية؛ لتأكيد النتيجة الأولى.
إنَّ الشعب الذي وعى خطر الانقلاب العسكري عام (2016م) للعلمانية التركية المتمالئة مع الغرب على الحق والعدل قبل (الديموقراطية) هو ذات الشعب الذي حمى نظامه وإرادته من الانقلاب على حاكمه المنتخب.
إنَّ درس الانتخابات التركية يقول -لكل متابع في العالم بعامة، وفي الوطن الإسلامي بخاصة-: إنه متى ما وصل الشعب إلى درجة من الوعي السياسي والتاريخي والحضاري فإن إرادته لا يمكن أن تُزَوَّرَ، وإن قراره الراشد لا يصلح أن يتغيَّر!
ثانيًا: النجاح السياسي إنما يقوم على مشروعٍ ومشروعية:
لا يتأتى نجاح، أو نصر سياسي لقائد أو حزب حتى يتمتَّع بمشروعية تصدر من اختيار الأمة، لا من دعم أعدائها الخارجيين لهذا القائد، أو ذلك الحزب!
ولا يتحقق نجاح مَن تمتَّع بالمشروعية حتى يكون له مشروعه الذي ينتظم الناسَ بأعماله، ويحملهم على تحقيق أهدافه!
وإن ذلك كله إنما يرتبط ويُبنى -أولًا-على مصداقية الإنجازات الملموسة، وعلى القدرة على تسويق تلك الإنجازات الحقيقية، لا المدَّعاة!
وأول ما تلتفت إليه الشعوب والرعايا: تحصيلُ الكفاية للضروري من أمر المعاش، وتحقيق العدالة بين الرعية، وتوسيد المناصب إلى أهلها، وكل ذلك من صحيح ما أمرت به الشريعة، ومن صلب ما أمر به النبي ﷺ؛ فكل ذلك من الشريعة لمن أراد أن يحكم باسمها.
فالحاكم المسلم هو الذي لا ينفك عن العدل في كل أمره، هو الذي يلتزم العدل مع صديقه وعدوه، يتمثل في ذلك قول الله عز وجل: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّٰمِينَ بِٱلۡقِسۡطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ وَلَوۡ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمۡ أَوِ ٱلۡوَٰلِدَيۡنِ وَٱلۡأَقۡرَبِينَۚ إِن يَكُنۡ غَنِيًّا أَوۡ فَقِيرٗا فَٱللَّهُ أَوۡلَىٰ بِهِمَاۖ فَلَا تَتَّبِعُواْ ٱلۡهَوَىٰٓ أَن تَعۡدِلُواْۚ وَإِن تَلۡوُۥٓاْ أَوۡ تُعۡرِضُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٗا} [النساء: 135].
بل إن الحاكم المسلم لا يؤمر بمجرد العدل وكف الأذى، بل هو مأمور بالإحسان وبذل الندى، يقول ربنا جل وعلا: {إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَٱلۡإِحۡسَٰنِ وَإِيتَآيِٕ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَيَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِ وَٱلۡبَغۡيِۚ يَعِظُكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ} [النحل: 90].
وكما يؤمر بالعدل والبذل فإنه يؤمر بالرفق واللين والمشاورة، مع مضاء العزيمة وقوة الشكيمة، قال تعالى: {فَبِمَا رَحۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمۡۖ وَلَوۡ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلۡقَلۡبِ لَٱنفَضُّواْ مِنۡ حَوۡلِكَۖ فَٱعۡفُ عَنۡهُمۡ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ وَشَاوِرۡهُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِۖ فَإِذَا عَزَمۡتَ فَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَوَكِّلِينَ ١٥٩} [آل عمران:159].
وعن عائشة J قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول في بيتي هذا: «اللهُمَّ، مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ، فَاشْقُقْ عَلَيْهِ، وَمَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَرَفَقَ بِهِمْ، فَارْفُقْ بِهِ» ([1]).
ومن تمام العدل والنصح للمسلمين: توسيد المناصب لأهل الكفاية القوة، مع الأمانة والتقوى، فالمعيار قوله تعالى: {إِنَّ خَيۡرَ مَنِ ٱسۡتَٔۡجَرۡتَ ٱلۡقَوِيُّ ٱلۡأَمِينُ} [سورة القصص:26].
وفي صحيح البخاري: عن أبي هريرة ◙ عن النبي ﷺ قال: «إِذَا ضُيِّعَتِ الأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ. قيل: كيف إضاعتها يا رسول الله؟ قال: إِذَا وُسِّدَ الأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ» ([2]).
لقد مثَّلتِ النجاحاتُ الاقتصادية الهائلة جسرًا للعبور إلى قرن تركيا القادم، وغنيٌّ عن البيان: أن تلك الإنجازات تحققت في نحو ربع قرن من العملِ على تجفيف منابع الفساد، والإصلاح الاقتصادي متتابعِ الحلقات، وتعظيمِ الدخل العام، ودخلِ المواطن، وخفضِ معدلات البطالة، والتوقفِ عن رهن البلاد، وارتهانِ مقدَّراتها لصندوق النقد، والبنك الدولي، وإزالةِ عوائق الاستثمار، وتوليةِ الأكفاء بغضِّ النظر عن الانتماء الحزبي، هذه النجاحاتُ عملت على تثبيتِ أقدام التجربة التركية، وكسبِ ثقةِ الناخبين بدون تمييز بين إسلامي، وغير إسلامي!
ثم إن السياسي الناجح هو الذي يعرف ما يريد، ويعرف كيف يصل إلى ما يريد بالطرائق التي تُحقِّق المقصودَ، بأقلِّ تكلفةٍ، وأدنى مجهودٍ!
وكثير ممن دخل السياسة من المنتسبين إلى الدعوة لم يعرف ما يريد، ولا كيف يُحقِّق بالسياسة ما يريد!
وقد تسبَّب هذا في انتكاساتٍ ماثلةٍ للعيان اليوم!
وإذا كان أردوغان مثَّل ما يسمى زورًا بـ(الإسلام السياسي) الذي يرميه الغرب وكثير من العرب عن قوس واحدة، فقد تمكَّن هذا الإسلام السياسي من مراغمة قوى الباطل وهزيمتها داخليًّا، وإجبار القوى الخارجية على التعامل بندِّيَّةٍ واحترام!
ومع تعدُّد تلك القوى وتنوُّع اتجاهاتها وراياتها؛ فقد وحَّد بينها هزيمَتُها من قِبل المشروع الأردوغاني المستندِ للمشروعية!
فهل يمكن أن يكون هذا الأنموذج ملهِمًا للكثيرين، وقابلًا للاحتذاء من المتطلعين؟!
ثالثًا: لا مناصَ مِن تملُّك أدوات التغيير، ووسائل التأثير:
إن استعمال كل الأدوات المشروعة في إحداث التأثير والسير قُدُمًا نحو التغيير أمرٌ لا مناصَ منه لإحداث النهضة، واستعادة الهوية.
لقد تمكَّن أردوغان وحزبه من إحداث ثورة سلمية، بدون أن يُطلِق رصاصةً واحدةً، أو يخوض مخاضًا عسيرًا.
لقد أطلق شارةَ البدء لنهضة سياسية واقتصادية وتكنولوجية، واستعمل فيها كلَّ ما يستطيع من أدوات تتعلَّق بالفكر والثقافة، واستعان بـ(الدراما)، والتاريخ، والإعلام، عبر مسلسلاتٍ تاريخية تبني الوعي، وتُنعش الهويَّة، حتى إنه تمكَّن من إسقاط كثير من أوثان الأتاتوركية من غير أن يحطم تماثيلَها، وهذه ثمرة العمل السياسي حين يشتغل به من يفهم أدواتِه، ويعي ضروراتِه، ويحسن السير إلى مآلاتِه.
لقد تمكَّن من نصر الإسلام فقط بإلغاء القيود عليه، وبالسماح له بأن ينطلق، لا بأن يَقمع غيره؛ لِيَنتُج عن ذلك إيمان طوعي اختياري، وتحوُّل اجتماعي إصلاحي، بدأ رويدًا، وهو ينتشر بخطوات ثابتة وغير متسرِّعة!
إن حماية القيم ودعم الفضيلة في مجتمع مسلم كفيلٌ بانتصار أهله، ولو من غير دعم مباشر من السلطة التي تتحرك في واقع شائك ومتشابك!
رابعًا: النجاحات الخارجية تدعم الإنجازات والموثوقية الداخلية:
تُسارع بعض الأنظمة في المنطقة العربية في هوى الأنظمة الغربية؛ ظنًّا منها أن هذا يضمن لها البقاء مدةً طويلة في الحكم، وهي مع ذلك معرِضة عن المشروعية التي تنالها من شعبها؛ لأنها تستضعفه لحساب السادة الكبار!
فلا تملك تلك الأنظمةُ قدرةً على الاتِّزان السياسي، ولا مساحةً للمناورة في السياسة الخارجية، إنما هو الإذعان! حتى أصبح الغرب لا يرى سبيلًا للتعامل في هذه المنطقة إلا مع العملاء!
ولو سعتِ الأنظمة لتملُّكِ تلك الإرادة الحرة لحقَّقتْ ما لا يخطر ببالٍ من النجاحات!
ولقد سعتِ المعارضة التركية بنفس فكرة الأنظمة الموالية للغرب؛ ففقدتِ الهدفَ، والنجاح، ومُنيت بسقوطٍ مدوٍّ!
لقد حضر الأتراك -عبر سياساتهم الخارجية، وقدراتهم العسكرية-في ميادينَ عِدَّةٍ، فكان لهم من النجاح نصيب ظاهر، والحربُ الروسية الأوكرانية تشهد بهذا، وانتصارُ أذربيجان يؤكِّد هذا، ومنعُ ليبيا من السقوط في معسكر فلول النظام البائد ماثلٌ للعيان، ودعمُ الأشقاء في قطر كان واجبًا لم تتأخَّر عنه تركيا، ثم لسوريا الحظ الأكبر من الدعم والتصدي لأخطار كثيرةٍ!
وما تحقَّق على الساحة الخارجية من انتصارات ونجاحات كان من أعظم ما دعم الجبهةَ الداخلية، وقوَّى ما حصل فيها من إنجازات، ودعم ما عساه أن يكون قد وقع من إخفاقات!
خامسًا: الأخلاقية السياسية سرُّ المصداقية:
الساسة الذين لا يرتبطون بثوابتَ أخلاقيةٍ لا يَحظَون بالمحبة الجماهيرية، والذين لا يَرعَون القيم العامة للمجتمع يكون خطابهم مرفوضًا، والذين يسعَون في سبيل تحقيق أهدافهم إلى تجاوز تلك المُثُلِ يفقدون مصداقيتهم.
لقد كان النظام التركي متمثلًا تلك المعاني في موقفه من الانقلاب على الربيع العربي، وفي قضية اللاجئين، وفي قضايا المطلوبين في قضايا سياسية ملفَّقة، وأخيرًا: في إغاثة المتضررين من الزلزال، سواء من الأتراك، أو السوريين؛ بل وفي المحافظة على المصداقية والشفافية في انتخابات الجولة الأولى، وتأجيل إعلان النجاح حتى يَشهد عليه العالم في الجولة الثانية!
وفي المحافظة على دستور توافقي دون استعجالٍ، أو تباطُؤٍ، وقد كان لكل ذلك أثرٌ مباشر في حفظ الاحترام للنظام، وتأكيد المصداقية!
أما رأس النظام الذي يُعلن عن ثروته بكل شفافية فيظهر مدينًا، وبلا رصيد نقدي يكفي لسداد دينه؛ فإن هذا يعني: أن رصيده في القلوب بما يكفي لفدائه بالأرواح والدماء حقيقةً، لا ادعاءً!
ولقد أكسب الوفاءُ بالالتزامات السياسية نحو الحلفاء والأصدقاء مصداقيةً خارجية، أورثتِ الجميعَ رضًا وطلبًا للعلاقة بهذا النظام، الذي لا تُتَوَقَّعُ منه الخيانةُ، ولا المواقفُ الانتهازية!
وعلى مستوى الديموقراطية التي يتشدَّق بها المستبِدُّون في المنطقة العربية، ويدَّعيها الغربيُّون؛ فإن ما قدَّمه النظام التركي من ممارسةٍ نظيفةٍ، وتنافُسٍ على السلطة، وانتقالٍ سلميٍّ لها، واستعمالِ آلياتٍ لا اختلاف عليها-تحت غطاء دستوري يُعَرِّي المدَّعين، ويُغرِي المتطلعين لممارسة حضارية من شعوب تئن تحت نِيرِ الاستبداد!
ولقد خوتِ الديار العربية من انتخابات نزيهة وحرة، فلم تَعرف تلك التجربةَ إلا برهةً يسيرةً من الزمن حين سطع نجم الربيع العربي!
وأما في الديار الإسلامية فليس هناك سوى تركيا، وماليزيا!
سادسًا: خطاب الأمة الإسلامية، والارتباط بقضاياها:
لقد توجَّه الخطاب التركي -في جزء مقدَّر منه-إلى الأمة في قضاياها الكبرى، وعلى رأسها فلسطين، وغزة، وإغاثة أهلها، وسفينة مرمرة شاهدة على ذلك، كما وقف النظام في وجه إساءاتٍ غربيةٍ -فرنسية، وغير فرنسية-وقعت بحق المصحف والنبي ﷺ والمقدسات الإسلامية، وكان الانتصار بالمقدور من الإمكانات حاضرًا.
ولقد أفاد الخطاب التركي من التاريخ الحضاري للأمة الإسلامية في ظل القيادة العثمانية، ولم يأتِ ذِكر العثمانيين إلا وذكر الناس دينهم وهويتهم، وتملَّكتهم الحميَّةُ بطريقة هادئة متزنة، وغير متعسفة!
ومن أجل تلك الخطابات والممارسات توجَّه كثيرون للإقامة بتركيا، وسعى آخرون للحصول على جنسيتها، ولو من الطريق العقاري الذي يضمن ذلك.
ولقد بلغ عدد من حصلوا على الجنسية زهاءَ ربعِ مليون إنسان إلى توقيت الانتخابات، وذلك من عدد من الجنسيات العربية والإسلامية، وقد عُدَّ هذا من الحسنات التي أحدثت تعاطفًا أمميًّا من كل الشعوب العربية والإسلامية!
ومن العجب: أن تغادر بعضُ الأُسَرِ بلدانَها طواعيةً واختيارًا لتفضِّلَ الإقامةَ بتركيا؛ حيث تنعم بميزات لا تنعم بها في بلادها الأصلية!
ومن هنا كان الدعم والدعاء لأردوغان غيرَ قاصرٍ على من تجنَّسُوا لأسباب سياسية، أو قاهرة، وإنما امتدَّ ذلك لكل بلاد المسلمين، حتى خرجت كلمات التأييد من المسجد الأقصى وأهله المرابطين عليه! وأطلقوا مناشداتٍ لأصحاب الحق في التصويت ألَّا يتأخَّروا عن هذا الحق، وعن أداء ذلك الواجب!
سابعًا: تجلِّي البعد الديني، والانتماء للهوية الإسلامية:
وكان هذا من اللحظات الأولى للممارسة السياسية في بيئة علمانية! حين قال الرئيس: (أنا رئيس مسلم لدولة علمانية!).
إن هوية الأمة التركية هي الإسلام، والأصل في الترك: أنهم مسلمون، ليسوا علمانيين، ولا ملاحدة، والانحراف العلماني الطارئ عليهم -قبل مائة عام-هو انحراف غير أصيل، بل تدفعه هويَّتُهم الحقيقيةُ!
وانطلاقًا من تلك الهوية فقد عُزِّز حضورُ اللغة العربية في المدارس التركية، ودُعمتِ المدارس الدينية الحكومية، وأُلغيتِ القيودُ على الحجاب في المؤسسات الرسمية، ودخلتِ المحجبات إلى البرلمان والوزارات والجامعات، وافتُتحتِ المساجدُ الكبرى، وظهر رئيس البلاد يتلو كتاب الله على مرأًى ومسمعٍ من العالم كلِّه، وهو أحد منتسبي: (مدارس إمام وخطيب)، وأُعيد الاعتبار والافتتاح لمسجد: (آياصوفيا)، وعاد إلى الإسلام كثير من الاعتبار المفقود من عقود طويلة، وحدثت حالة من الثقة برغم تفاقُمِ أزماتٍ، وتجريدِ حملاتٍ، كانت كلُّها للنيل من تجربة أردوغان ونظامه!
نعم لا تزال تركيا علمانيةً، لكن تولَّاها مسلم يسعى لإصلاحها بكل ما أوتي من قدرة، وأتيح له من إمكانية، وفي ظل إكراهاتٍ؛ طمعًا في أن تحسن المآلات، وما على مَن أحسن مِن سبيل!
يقول ابن تيمية V: «… فإذا اجتهد الراعي في إصلاح دينهم ودنياهم -بحسب الإمكان-كان من أفضل أهل زمانه، وكان من أفضل المجاهدين في سبيل الله»([3]).
وفي الحديث: «… وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ»([4]).
فشتَّان بين من يدفع أمته عن العلمانية، ويأخذ بناصيتها إلى الإسلام في الحكم وكل شأن، وبين من يدفعها عن الإسلام، ويأخذ بها إلى العلمانية!!
لم يكن أردوغان -قبل ثلاثين عامًا-ليتمكَّن من قول ما قاله ليلة الانتخابات في الإعادة الثانية، حين قال: «اليوم هو يوم وصول تركيا إلى أقصى أهداف: تورغوت أوزال، وعدنان مندريس، ونجم الدين أربكان!»، وهو يزور قبور أولئك الرجال!
وهذا يعني: أن البعد الديني كان حاضرًا، وإن كان للمناورة السياسية مكانها، لا سيما حالَ الاستضعاف!
والمسافة من الاستضعاف إلى الاستخلاف، كما تُقطع بالوضوح والثبات، تُقطع -أيضًا-بالتورية والدهاء!
وأخيرًا: فقد تجلَّى حسن الظن بالله، والثقة بموعوده، والتوكُّل على جنابه عند ذلك القائد في هذه المعركة الانتخابية؛ بحيث حصل على نفس النسبة التي حصل عليها في الانتخابات السابقة (53 %).
ثامنًا: الموقف الغربي.. لا جديد تحت الشمس، ولا في الظل!
{وَلَا يَزَالُونَ يُقَٰتِلُونَكُمۡ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمۡ عَن دِينِكُمۡ إِنِ ٱسۡتَطَٰعُواْۚ} [البقرة: 217].
{ وَلَن تَرۡضَىٰ عَنكَ ٱلۡيَهُودُ وَلَا ٱلنَّصَٰرَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمۡۗ} [البقرة: 120].
فالعداء سنة ماضية لا يتأخرون عنها، ولا يتزحزحون، وإنما قد يُخادِعون ويمكُرون، وفي مقابل خداعهم يجب أن يُخدَعوا، وأن يُمكَر بهم كما مكروا، وأن تُكشف طرائقهم في الخديعة والمخاتَلة! وأن يُستعمل من أدواتهم ما يَقطع شرَّهم!
إن مطالعة عناوين الصحف والمجلات الغربية التي صدرت قبل الانتخابات الأولى بأسابيعَ لَتُعطي صورةً واضحة عن حجم العداء والتحريض على الإسقاط.
وإن متابعةَ الأنشطة السياسية، والعلاقات الخارجية، والكلمات التي قيلت في صدد الانتخابات التركية لَتَفضَحُ دخائلَ النفوس، التي امتلأت حقدًا على هذه التجربة الأردوغانية!
وإن رصْدَ الأموال التي أُنفقتْ في هذا السبيل ليذكِّر بقول الله تعالى: {فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيۡهِمۡ حَسۡرَةٗ ثُمَّ يُغۡلَبُونَۗ} [الأنفال: 36].
والخلاصة: أن الغرب لم يتمكَّن من إخفاءِ ضغائنَ تاريخيةٍ، وأحقادٍ دينيةٍ، ومطامعَ سياسيةٍ واستراتيجية، وقد تخلَّى-بإعلامه وسياساته-عن الموضوعية، كل ذلك من أجل إفشال التجربة الأردوغانية!
تاسعًا: المعارضة العلمانية والطائفية الباطنية أشدُّ غلوًّا، وأكثرُ ضررًا من القومية غير المتطرفة!:
لقد أظهر العلمانيون الغلاة والباطنيون الحاقدون على التجربة الأردوغانية من أساليب العداء والبلاء ما لم يخطر على بالٍ!
وبدا جليًّا أن التصويت الانتخابي على قاعدة: (إيديولوجية) لا تتغير نسبته، ولا تتبدل طريقته!
وأن الانقسام المؤسَّس على: (الإيديولوجيا) يُفضي إلى حالة من الاستقطاب السياسي، وأن العلمانيين والباطنيين لن يَمَلُّوا من تكرار شعارات الفشل، وكلمات التخلف، التي أورثتِ البلادَ والعبادَ الفقرَ والنكباتِ، فلم تنهض علمانية: (أتاتورك) باقتصادٍ، ولم تحقِّق إلا التبعيةَ والولاءَ لغير المسلمين!
وسيستمر الصراع مع هؤلاء الذين فقدوا هويتهم، واستُعبِدت أفكارُهم!
وفي مقابل هذا فإن بعض القوميين قد يكونون أقربَ للتحالف السياسي من غيرهم، وقد تحقَّق في ظل تحالف سياسي للحزب انتصارٌ تاريخي، وهذا يعطي مؤشرًا على قيمة الائتلاف والتحالف مع الأقرب ضد الأبعد، ويوجِّه دروسًا لأهمية أن يكون أهل الإسلام قاطرةَ الخير في مجتمعاتهم، وإن تحالفوا سياسيًّا مع بعض من يخالفهم، وليس حربًا عليهم.
عاشرًا: خطورة تقديم المصالح الشخصية والحزبية على المصلحة العامة:
من أعظم ما قد يتعرَّض له المنخرِطون في العمل السياسي مِن فتن: عدمُ الارتباطِ بثوابتَ منهجيةٍ، أو موضوعية، أو شرعية! وهو أمرٌ يفضي إلى انقلاب الولاءات، وانعكاس العلاقات، وتقديم المكاسب السياسية الآنية على القضايا المبدئية.
لقد قدم أردوغان ممارسةً سياسية زاوَجَ فيها بين المبادئ والمصالح، ورعاية المكاسب وتقليل الخسائر! في حين أن أحزابًا وشخصياتٍ تنتسب إلى منهج أردوغان وبعض رفقاء طريقه في العمل السياسي قد انقلبت ولاءاتُهم، وتفرَّقت بهم أهواؤُهم!
بحيث مثَّل موقف: (حزب السعادة) من أردوغان نشازًا هدَّد التجربة، وغلَّب المنشقون عن حزب العدالة والتنمية مسارًا اصطفُّوا فيه سياسيًّا مع أعداء الأمس! وكثَّروا سواد الطائفة العلمانية والباطنية، فلم يفوزوا على حساب العدالة والتنمية، ولم يصونوا تاريخهم، ويحافظوا على رصيدهم!
ولو أنهم وعَوُا اللحظةَ التاريخية التي يمرُّون بها لفهموا أن المزاج العام للأمة في تركيا بسبيله للتحوُّل، وهو ما حدا بأكبر معارضي أردوغان إلى أن يذهب صبيحةَ يومِ الفوز زائرًا للفاتح، ويهدي التحية لأبطال القسطنطينية، ويترحَّم على شهدائها!
وهذا يعني: أن المعارضة العلمانية بدأت تستعمل أدواتٍ إسلاميةً لتغيُّرِ مزاج أغلبِ الأمة التركية!
فليعِ الدرسَ من اختاروا القفزَ من السفينة؛ ظنًّا منهم أنها غارقة لا محالة!
وليستوعِبِ الدرسَ مَن مارسوا السياسة بغير كياسةٍ، ولا تأهَّلوا لها بعلم سابق، أو عمل وخبرة!
وليفرِّقْ بين السياقات والمآلات مَن خلطوا بين السياسة وأدواتها والمتاح من خلالها، وبين الخطب الرنانة والمواقف العنترية الجوفاء!
بارك الله هذا النصرَ، وهنَّأَ أهلَهُ، وقادهم إلى أمثاله، وأعانهم على تحدياته، وأحسن لهم الحال والبال والمآل.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
