الحمد لله الذي أكمل لعباده الدين، وأتم عليهم المنة، وأقام لهم الملة، والصلاة والسلام على خاتم المرسلين، وإمام الأولين والآخرين، محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..
فإن الإسلام دين واحد، وهو ما أنزله الله على نبينا محمد ﷺ وتدين به الصحابة والتابعون، وكل من اتبع الصحابة والتابعين والسلف الصالح بإحسان، في أيِّ زمان كان فهو مسلم على جادة السنة، وسبيل السلف.
وعلى مدار تاريخ الإسلام وأهله حدثت أسماء كثيرة، أطلقت على أهل الإسلام، لأغراض مشروعة-كالتمييز بين أهل الحق وغيرهم-تارة، ولأغراض باطلة تارات.
فمن هذه الأسماء ما أطلقه الصهاينة والصليبيون والعلمانيون وأذنابهم؛ لأغراض التشويه والذم والتنفير لأهل الحق، ولأغراض التزيين والترويج لأهل الباطل، كمصطلحات: الإسلام السياسي، والإسلام الوهابي في جانب تشويه الحق، ومصطلحات الإسلام الحداثي والإسلام العقلاني في جانب ترويج الباطل، وكل ذلك من الباطل الذي يأباه كل مسلم.
ومن هذه الأسماء ما أطلقه أعداء الإسلام، وخصوم الدعاة إليه، من دول وأجهزة وتيارات، مثل مصطلحات: السلفية الحركية، والسلفية الجهادية، والسلفية الوهابية، والسلفية المخابراتية.. إلخ، وكلها أسماء مرفوضة مردودة على من أطلقها!
ومن هذه الأسماء ما أطلقه على أهل السنة أهل الأهواء والبدع من الألقاب الشنيعة؛ سعيًا لتشويه وجه السنة النقية، وصد الناس عنها، فمن أهل البدع من سمى أهل السنة ناصبة وأمويين، ومنهم من سماهم مشبهة ومجبرة، ومنهم من سماهم حشوية ونابتة، إلى غير ذلك من الألقاب التي لا تخرج إلا من أرحام البدع والأهواء.
ومن هذه الألقاب: مصطلح السلفية المعاصرة، وهو نوع من الخداع المصطلحي الذي يراد منه التنفير من اتباع الصحابة والتابعين بإحسان، وذلك بزعم أن السلفية إنما هي مذهب معاصر مقطوع السبب والنسب بالقرون المفضلة.
وعمدة أصحاب هذا الإطلاق: هو البون الشاسع-في الفضل والعلم والسلوك-بين الجيل المتقدم والمتأخر، وهو أمر بيِّن لا ينكر، ولكن الشأن في المذاهب: هو الاتباع والقصد إليه، لا المساواة بين التابع والمتبوع في العلم والفضل، وإلا لما صح للمعاصرين انتساب إلى مذهب، فيقال: أشعرية معاصرة، ومرجئة معاصرة؛ فالبون شاسع بالاتفاق بين الجيل المتقدم والمتأخر!
وجملة القول وخلاصته:
أن كل من أصاب اعتقادًا أو علمًا أو عملًا فهو فيما أصاب فيه من أهل السنة والجماعة، ومن أتباع السلف، تسمى بشيء من ذلك أم لم يتسمَّ! ومن أخطأ قطعًا في شيء من الاعتقاد أو العلم أو العمل فليس من أهل السنة فيما أخطأ فيه، تسمى باسمٍ أو لم يتسمَّ، يشمل هذا السلفي والخلفي، والصوفي والأشعري على حد سواء!
فكل من اتبع الصحابة عقيدة وعبادة، وشريعة وأحكامًا، وجهادًا وعلمًا وعملًا وأخلاقًا-فهو من أتباع السلف الصالح، وكل من احتكر هذا الاسم أو تلك النسبة المشروعة، وبدع من خالفه من أهل السنة في أمور اجتهادية علمية أو عملية؛ فقد انحرف وفسد منهجه!
أما جماعات الدعوة المعاصرة وجمعياتها، التي لم تتحزب على أصل كلي بدعي، فإنها تنضوي جميعًا تحت راية أهل السنة والجماعة، والسلفية الشرعية، لا الحزبية، وإن تفاوتت في الانضباط بالقرآن والسنة اعتقادًا وقولًا وعملًا.
لا يخرج عن ذلك إلا جماعات قامت على أساس غير مشروع، كالغلو وتكفير المسلمين بالجملة، واستباحة دمائهم، أو معاداة أئمة المسلمين وتبديعهم، أو موالاة أعداء الإسلام، أو نحو ذلك.
والانتساب إلى هذه الجماعات أو الجمعيات الدعوية هو من جنس ما شاع من الانتساب إلى القبائل والأوطان والأعمال، والانتساب إلى المشايخ والمتبوعين، والمذاهب الفقهية، وكل ذلك سائغ، متى ما التزمت ضوابطه الشرعية.
وفي هذا البيان ما يرفع الإشكال والالتباس في أمر هذه الفرق والجماعات، وما يوجه عموم المسلمين إلى السبيل القاصد، والصراط المستقيم، ألا وهو سبيل السلف الصالح رضي الله عنهم، فمن تلمس طريقهم، وسلك سبيلهم فهو الموفق المسدد.
نسأل الله تعالى الهدى والرشاد، والتوفيق والسداد، والثبات على الحق إلى يوم المعاد.. والحمد لله رب العالمين.
