الحمد لله أصلح من خلقه صفوتهم، فأرسلهم إلى أقوامهم مصلحين، وأمدَّهم بشرائع الإصلاح، وبيَّن لهم منارات المصلحين، ونهاهم عن الفساد والإفساد، وأظهر شؤم عاقبة المفسدين.
وصلى الله وسلم وبارك على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه الغرِّ الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.. أما بعد:
فأسأل الله تعالى في مستهل هذه الكلمة بين يدي سعادة الوزير وضيوفه الكرام، وأئمة الأوقاف الأعلام، أن يجعلنا في شهرنا هذا ممن أحسنوا وأصلحوا فتقبل الله عنهم أحسن ما عملوا، فوفَّاهم أجرهم بغير حساب.
ثم إن موضوع هذه الكلمة يدور حول الإصلاح عامة، والاجتماعي منه على سبيل الخصوص، فيما ورد به الكتاب، ونطقت به سنة النبي الأوَّاب ﷺ.
فأما الإصلاح والصلاح فهما ضد الإفساد والفساد، والناظر في كتاب الله عز وجل يجد الأمر بالإصلاح والحث عليه، والثناء على المصلحين في مواضع كثيرة من كتاب الله، تبلغ الأربعين موضعًا، بل تزيد!
وإن في هذا لإشارة واضحة إلى عظم أهمية هذا المقصد، وسموِّ منزلته من دين الله وشرعه، وإن لنا اليوم مع الإصلاح الاجتماعي لوقفات.. نتعرف على معناه ومفهومه، ونتفيأ من ظلاله، ونقتبس من أنواره.
مفهوم الإصلاح ومجالاته:
الإصلاح في لغة العرب:
الإصلاح في لغة العرب واضح المعنى لا يحتاج إلى تعريف؛ ولذلك عرَّفه أهل اللغة بأنه نقيض الإفساد([1])، فإصلاح الشيء درء الخلل عنه، وحفظه أو رده إلى الحالة المستقيمة النافعة.
أما الصلح فيختص بإزالة أسباب المنافرة والمشاحنة بين الناس، قال تعالى: {إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ إِخۡوَةٞ فَأَصۡلِحُواْ بَيۡنَ أَخَوَيۡكُمۡۚ} [الحجرات:10].
الإصلاح في القرآن الكريم:
وفي اصطلاح القرآن الكريم قوبل الصلاح بالفساد تارة، وقوبل بالسيئة تارة أخرى.
قال تعالى: {وَلَا تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ بَعۡدَ إِصۡلَٰحِهَا وَٱدۡعُوهُ خَوۡفٗا وَطَمَعًاۚ إِنَّ رَحۡمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٞ مِّنَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ} [الأعراف:56]، وقال سبحانه: {وَءَاخَرُونَ ٱعۡتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمۡ خَلَطُواْ عَمَلٗا صَٰلِحٗا وَءَاخَرَ سَيِّئًا} [التوبة:102].
وكل الخلق يسألون الله تعالى الصلاح والإصلاح، وإصلاح الله تعالى لعباده على ثلاثة أضرب:
الضرب الأول: بأن يخلق الإنسان صالحًا، فيميل إلى الحق والهدى، ومكارم الأخلاق.
قال تعالى: {فَلَمَّآ أَثۡقَلَت دَّعَوَا ٱللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنۡ ءَاتَيۡتَنَا صَٰلِحٗا لَّنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّٰكِرِينَ} [الأعراف:189]، وقال سبحانه: {وَوَهَبۡنَا لَهُۥٓ إِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ نَافِلَةٗۖ وَكُلّٗا جَعَلۡنَا صَٰلِحِينَ} [الأنبياء:72]، وقال عزوجل: {وَأَصۡلَحَ بَالَهُمۡ} [محمد:2].
الضرب الثاني: بأن يزيل ما فيه من فساد بعد وجوده، كما في الدعاء القرآني: {وَأَصۡلِحۡ لِي فِي ذُرِّيَّتِيٓۖ} [الأحقاف:15]، وقال سبحانه: {سَيَهۡدِيهِمۡ وَيُصۡلِحُ بَالَهُمۡ} [محمد:5].
الضرب الثالث: بأن يحكم الله للإنسان بالصلاح، قال تعالى: { ٱلۡمِحۡرَابِ أَنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحۡيَىٰ مُصَدِّقَۢا بِكَلِمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَسَيِّدٗا وَحَصُورٗا وَنَبِيّٗا مِّنَ} [آل عمران:39]، وقال عز وجل: {وَيُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلۡمَهۡدِ وَكَهۡلٗا وَمِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ} [آل عمران:46].
وقد يطلق الصلاح والإصلاح في القرآن ويفيد معاني متنوعة، فمن ذلك:
- الإيمان، كما في قول الله تعالى: {جَنَّٰتُ عَدۡنٖ يَدۡخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنۡ ءَابَآئِهِمۡ وَأَزۡوَٰجِهِمۡ وَذُرِّيَّٰتِهِمۡۖ} [الرعد:23].
- علو المنزلة، كما في قوله تعالى: {وَإِنَّهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ} [البقرة:130].
- الإحسان إلى الخلق، كما في قوله تعالى: {إِنۡ أُرِيدُ إِلَّا ٱلۡإِصۡلَٰحَ مَا ٱسۡتَطَعۡتُۚ} [هود:88].
ومهما يكن من أمر فإن الصلاح والإصلاح يعود أمرهما إلى تقوى الله في القول والعمل، قال أبو العتاهية:
| وإذا تناسبت الرجال فما أرى | نسبًا يقاس بصالح الأعمالِ | |
| وإذا بحثت عن التقيِّ وجدته | رجلًا يصدِّق قوله بفعالِ | |
| وإذا اتَّقى الله امرؤٌ وأطاعه | فتراه بين مكارمٍ ومعالِ |
الإصلاح في الاستعمال الاصطلاحي العام:
على المعنى اللغوي جرى الاستعمال الاصطلاحي العام، إلا أن المعنى الاصطلاحي يختلف بحسب المجال الذي يخصص به الإصلاح، فيقال: إصلاح اجتماعي، وإصلاح دعوي، وغير ذلك.
وهو مع اختلاف استعمالاته واصطلاحاته لا يخرج عن المعنى العام الذي قدمناه، وهو: درء ما طرأ على الشيء من فساد، وجعله على الحالة المستقيمة النافعة.
ومجالات الإصلاح كثيرة، ويتعدد المراد منه بتعدد الإطلاقات:
- فيطلق في مجال العقيدة وأصول الدين: على رد العقائد إلى الأمر الأول، وإزالة ما طرأ من البدع والمحدثات، وقد شاع في الاصطلاح إطلاق لقب المصلح على كبار العلماء الذين نهضوا بأمر تنقية الدين مما علق به من البدع، ورد عادية الخرافات عنه، كالإمام محمد بن عبد الوهاب.
- ويطلق في المجال الدعوي: على القيام بالأمر والمعروف والنهي عن المنكر، وخاصة: تغيير المنكرات الشائعة، التي شب عليها الصغير، وشاب عليها الكبير.
وتتنوع هذه المجالات إلى إصلاح سياسي واجتماعي وغيرهما، والمراد من هذه المجالات هو الإصلاح الاجتماعي، وسيأتي تفصيل القول فيه.
فضل الإصلاح وفضيلته:
الشريعة الإسلامية بنصوصها وقواعدها ومقاصدها روحها الصلاح والإصلاح، فهي داعيةٌ إلى ذلك، معتنيةٌ بالصلح بين المؤمنين، وهي تارة تأمر به، وتارة تنهى عن ضده.
قال تعالى: {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَصۡلِحُواْ ذَاتَ بَيۡنِكُمۡۖ} [الأنفال:1]، وقال سبحانه: {وَٱلصُّلۡحُ خَيۡرٞۗ} [النساء:128]، وقال جل وعلا على لسان شعيب عليه السلام: {إِنۡ أُرِيدُ إِلَّا ٱلۡإِصۡلَٰحَ مَا ٱسۡتَطَعۡتُۚ وَمَا تَوۡفِيقِيٓ إِلَّا بِٱللَّهِۚ عَلَيۡهِ تَوَكَّلۡتُ وَإِلَيۡهِ أُنِيبُ} [هود:88].
وقال سبحانه في النهي والتحذير من الفساد والإفساد، قال تعالى:
- {وَلَا تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ بَعۡدَ إِصۡلَٰحِهَا} [الأعراف:56].
- {إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُصۡلِحُ عَمَلَ ٱلۡمُفۡسِدِينَ} [يونس:81].
- {تِلۡكَ ٱلدَّارُ ٱلۡأٓخِرَةُ نَجۡعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فَسَادٗاۚ وَٱلۡعَٰقِبَةُ لِلۡمُتَّقِينَ} [القصص:83].
وقد جاء الأمر بإنكار منكرات الفساد مطلقًا، سواء أكان فسادًا اقتصاديًا أم اجتماعيًا أم سياسيًا!
وفي الحديث: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ»([2]).
وما جاءت الشريعة إلا بتحقيق الصلاح والإصلاح وجلب المصالح، ودفع الفساد والإفساد ودرء المفاسد، قال تعالى: {ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِيَّ ٱلۡأُمِّيَّ ٱلَّذِي يَجِدُونَهُۥ مَكۡتُوبًا عِندَهُمۡ فِي ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَٱلۡإِنجِيلِ يَأۡمُرُهُم بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَىٰهُمۡ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيۡهِمُ ٱلۡخَبَٰٓئِثَ وَيَضَعُ عَنۡهُمۡ إِصۡرَهُمۡ وَٱلۡأَغۡلَٰلَ ٱلَّتِي كَانَتۡ عَلَيۡهِمۡۚ} [الأعراف:157].
وقال عز وجل: {قُلۡ مَنۡ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِيٓ أَخۡرَجَ لِعِبَادِهِۦ وَٱلطَّيِّبَٰتِ مِنَ ٱلرِّزۡقِۚ قُلۡ هِيَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا خَالِصَةٗ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ} [الأعراف:32].
فمصالح الدنيا والآخرة مجتمعة ومجموعة في هذه الشريعة بأكمل الوجوه، وأتم الأمور.
والفضل ما شهدت به الأعداء، ونطق به المخالفون من المنصفين:
يقول جوستاف لوبون في كتابه حضارة العرب: «فرسول كهذا جدير باتباع رسالته، والمبادرة إلى اعتناق دعوته؛ إذ إنها دعوة شريفة، قوامها معرفة الخالق، والحض على الخير، والردع عن المنكر، بل كل ما جاء فيها يرمي إلى الصلاح والإصلاح، والصلاح أنشودة المؤمن، وهو الذي أدعو إليه جميع النصارى»([3]).
وقال برنارد شو: «إنني دائمًا أحترم الدين الإسلامي غاية الاحترام؛ لما فيه من القوة والحيوية، فهو وحده الذي يظهر لي أنه يملك القوة المهولة، ويتمشَّى مع مصلحة البشر في كل زمان».
شرط الإصلاح في الإسلام:
إذا علم معنى الإصلاح -في الجملة والعموم-بما سبق بيانه، فإن الإصلاح لا يكون معتبرًا في الإسلام حتى يتحقق شرطه في كتاب الله، وهو ما في قول الله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِٱلۡكِتَٰبِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُصۡلِحِينَ} [الأعراف:170].
فليس الإصلاح والمصلحة في الإسلام إلا ما وافق أصول الشرع ونصوصه ومقاصده، بل قوام الإصلاح ومداره على التمسك بالكتاب والرد إليه، أما تحصيل المصالح الدنيوية والعاديَّة فلا يسمى بمجرده إصلاحًا.
يقول الإمام أبو إسحاق الشاطبي V: «المصالح المجتلبة شرعًا والمفاسد المستدفعة إنما تعتبر من حيث تقام الحياة الدنيا للحياة الأخرى، لا من حيث أهواء النفوس في جلب مصالحها العادية، أو درء مفاسدها العادية، والدليل على ذلك أمور:
أحدها: ما سيأتي ذكره -إن شاء الله تعالى-من أن الشريعة إنما جاءت لتخرج المكلفين عن دواعي أهوائهم حتى يكونوا عبادًا لله، وهذا المعنى إذا ثبت لا يجتمع مع فرض أن يكون وضع الشريعة على وفق أهواء النفوس، وطلب منافعها العاجلة كيف كانت، وقد قال ربنا سبحانه: {وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلۡحَقُّ أَهۡوَآءَهُمۡ لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ وَمَن فِيهِنَّۚ} [المؤمنون:71]»([4]).
فالإصلاح في الإسلام اعتصام بحبل الله، واجتماع على مرضاة الله، وائتلاف على وفق مراد الله، أما تحصيل المصالح الدنيوية فلا يكر على المصالح الشرعية بالإبطال، فلو قام المصلح بواجبه في الإصلاح الشرعي، ثم لم يقبل منه فإن أجره عند الله محفوظ، وذا منتهى الإرادات؛ ولذلك ختم الله تعالى الآية التي ذكرنا بقوله تعالى: {إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُصۡلِحِينَ} [الأعراف:170].
مفهوم الإصلاح الاجتماعي وفضله:
الإصلاح الاجتماعي هو درء الشر والفساد وطلب الاستقامة والاعتدال فيما يكون بين الناس من علاقات ومعاشرات.
ومدار هذا الإصلاح الاجتماعي على قاعدة عظيمة من قواعد الشرع، وهي إصلاح ذات بين المسلمين، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «من القواعد العظيمة التي هي من جماع الدين: تأليف القلوب، واجتماع الكلمة، وصلاح ذات البين، فإن الله تعالى يقول: {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَصۡلِحُواْ ذَاتَ بَيۡنِكُمۡۖ} [الأنفال:1]، ويقول: {وَٱعۡتَصِمُواْ بِحَبۡلِ ٱللَّهِ جَمِيعٗا وَلَا تَفَرَّقُواْۚ} [آل عمران:103]، ويقول: {وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَٱخۡتَلَفُواْ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ} [آل عمران:105]»([5]).
وقد وردت أدلة متوافرة من الكتاب والسنة على فضيلة الإصلاح الاجتماعي، وعظم ما فيه من الأجر والثواب، فمن ذلك زيادة على ما سبق:
- إصلاح ذات البين واجب مأمور به في كتاب الله تعالى أمرًا مؤكدًا، حتى علق الله تعالى الإيمان به، فقال: {يَسۡـٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡأَنفَالِۖ قُلِ ٱلۡأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِۖ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَصۡلِحُواْ ذَاتَ بَيۡنِكُمۡۖ وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ} [الأنفال:1].
- إصلاح ذات البين سبب لنزول رحمة الله تعالى، يقول سبحانه: {إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ إِخۡوَةٞ فَأَصۡلِحُواْ بَيۡنَ أَخَوَيۡكُمۡۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ} [الحجرات:10]، أما التشاحن والتدابر فهو سبب لارتفاع الرحمة، وامتناع المغفرة، ففي الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْإِثْنَيْنِ، وَيَوْمَ الْخَمِيسِ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا، إِلَّا رَجُلًا كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ: أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا»([6]).
- الإصلاح -بمعناه العام الواسع-هو مناط النجاة من عذاب الله، قال تعالى: {فَلَوۡلَا كَانَ مِنَ ٱلۡقُرُونِ مِن قَبۡلِكُمۡ أُوْلُواْ بَقِيَّةٖ يَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡفَسَادِ فِي ٱلۡأَرۡضِ إِلَّا قَلِيلٗا مِّمَّنۡ أَنجَيۡنَا مِنۡهُمۡۗ وَٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَآ أُتۡرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجۡرِمِينَ ١١٦ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهۡلِكَ ٱلۡقُرَىٰ بِظُلۡمٖ وَأَهۡلُهَا مُصۡلِحُونَ ١١٧} [هود:116-117].
أما صلاح الإنسان في نفسه، وتخلفه عن إصلاح غيره بغير عذر-فليس سببًا محصلًا للنجاة، كما سألت زينب بنت جحش J رسول الله ﷺ: «أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الخَبَثُ»([7]).
- وعد الله تعالى من يصلح بين الناس بالأجر العظيم، فقال عز وجل: {لَّا خَيۡرَ فِي كَثِيرٖ مِّن نَّجۡوَىٰهُمۡ إِلَّا مَنۡ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوۡ مَعۡرُوفٍ أَوۡ إِصۡلَٰحِۢ بَيۡنَ ٱلنَّاسِۚ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ ٱبۡتِغَآءَ مَرۡضَاتِ ٱللَّهِ فَسَوۡفَ نُؤۡتِيهِ أَجۡرًا عَظِيمٗا} [النساء:114].
- ورد الحديث الصحيح بفضيلة عظمى لإصلاح ذات البين، فعن أبي الدرداء ◙ عن رسول الله ﷺ قال: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصَّلَاةِ، وَالصِّيَامِ، وَالصَّدَقَةِ؟ قالوا: بلى قال: إِصْلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ، قال: وَفَسَادُ ذَاتِ الْبَيْنِ هِيَ الْحَالِقَةُ»([8]).
- من شواهد العناية الشرعية بشأن الإصلاح بين الناس: استباحة بعض المحرمات لأجله، ففي الحديث أن رسول الله ﷺ قال: «لَيْسَ الكَذَّابُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ، فَيَنْمِي خَيْرًا، أَوْ يَقُولُ خَيْرًا»([9]).
- وكما ورد الأمر مؤكدًا بإصلاح ذات البين، فقد ورد النهي مشددًا عن كل ما يفسد بين الناس، كالغيبة والنميمة والتباغض والتدابر، والأدلة على ذلك كثيرة متعددة، منها هذا الحديث الجامع: «لَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا، الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ وَلَا يَحْقِرُهُ، التَّقْوَى هَاهُنَا –ويشير إلى صدره ثلاث مراتٍ-بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ، دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ»([10]).
أنواع الإصلاح الاجتماعي وما يتضمنه:
يتضمن الإصلاح الاجتماعي صورًا متنوعة من الإصلاح، من أهمها ما يأتي:
- الإصلاح بين الزوجين:
وهو من أهم صور الإصلاح بين الناس؛ إذ به قوام الأسر، والتئام البيوت، وحسن تنشئة الأولاد، وبفقده يقع الفساد العريض، الذي يحرص عليه إبليس اللعين، كما في حديث جابر بن عبد الله L قال: قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ إِبْلِيسَ يَضَعُ عَرْشَهُ عَلَى الْمَاءِ، ثُمَّ يَبْعَثُ سَرَايَاهُ، فَأَدْنَاهُمْ مِنْهُ مَنْزِلَةً أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً، يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا، فَيَقُولُ: مَا صَنَعْتَ شَيْئًا، قَالَ ثُمَّ يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: مَا تَرَكْتُهُ حَتَّى فَرَّقْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ، قَالَ: فَيُدْنِيهِ مِنْهُ وَيَقُولُ: نِعْمَ أَنْتَ»([11]).
وقد سعى النبي ﷺ بنفسه في الإصلاح بين الزوجين، وشفع في ذلك إلى بريرة مولاة أم المؤمنين عائشة J، فعن ابن عباس L: «أن زوج بريرة كان عبدًا يقال له مغيث، كأني أنظر إليه يطوف خلفها يبكي ودموعه تسيل على لحيته، فقال النبي ﷺ للعباس: يَا عَبَّاسُ، أَلاَ تَعْجَبُ مِنْ حُبِّ مُغِيثٍ بَرِيرَةَ، وَمِنْ بُغْضِ بَرِيرَةَ مُغِيثًا، فقال النبي ﷺ: لَوْ رَاجَعْتِهِ! قالت: يا رسول الله تأمرني؟ قال: إِنَّمَا أَنَا أَشْفَعُ، قالت: لا حاجة لي فيه»([12]).
وقد جاء الحديث القرآني عن الإصلاح بين الزوجين على وجهين:
الأول: الإصلاح بين الزوجين المتخاصمين:
يقول الله تعالى في كتابه: {وَإِنۡ خِفۡتُمۡ شِقَاقَ بَيۡنِهِمَا فَٱبۡعَثُواْ حَكَمٗا مِّنۡ أَهۡلِهِۦ وَحَكَمٗا مِّنۡ أَهۡلِهَآ إِن يُرِيدَآ إِصۡلَٰحٗا يُوَفِّقِ ٱللَّهُ بَيۡنَهُمَآۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرٗا} [النساء:35].
فقد أرشد الله تعالى إلى طرق الإصلاح بين الزوجين عند خوف الشقاق بينهما، فحيث لم يستطع الزوجان إصلاح ما بينهما بالطرق الشرعية، فإن على المسلمين أن ينتدبوا للإصلاح بينهما حاكمين عاقلين دينين، من أهل كل منهما، فينظران في أمرهما، ويتفقان على ما يصلح الله به شأنهما من الجمع أو التفريق.
وقد قام الصحابة الكرام بهذا المنهج الرباني خير قيام، ففصَّلوا طريق الحكم بين الزوجين وبينوه، يقول قيس بن سعد بن عبادة ◙: «يخلو حكم الرجل بالزوج، وحكم المرأة بالمرأة، فيقول كل واحد منهما لصاحبه: اصدقني ما في نفسك، فإذا صدق كل واحد منهما صاحبه اجتمع الحكمان وأخذ كل واحد منهما على صاحبه ميثاقًا لتصدقنِّي الذي قال لك صاحبك، ولأصدقنك الذي قال لي صاحبي، فذاك حين أرادا الإصلاح يوفق الله بينهما.
فإذا فعلا ذلك اطلع كل واحد منهما على ما أفضى به صاحبه إليه، فيعرفان عند ذلك من الظالم والناشز منهما، فأتيا عليه، فحكما عليه، فإن كانت المرأة قالا: أنت الظالمة العاصية، لا ينفق عليك حتى ترجعي إلى الحق وتطيعي الله فيه. وإن كان الرجل هو الظالم قالا: أنت الظالم المضار لا تدخل لها بيتًا حتى تنفق عليها، وترجع إلى الحق والعدل.
فإن كانت هي الظالمة العاصية أخذ منها مالها [أي: بالخلع]، وهو له حلال طيب، وإن كان هو الظالم المسيء إليها المضار لها طلقها، ولم يحل له من مالها شيء، فإن أمسكها أمسكها بما أمر الله، وأنفق عليها وأحسن إليها»([13]).
ومما يلحظ من الآية الكريمة، ومن كلام قيس بن سعد ◙ أهمية صدق النية في الإصلاح وإرادة الخير، وصدق الحديث فيما بين الحكمين، فبهذا الصدق وصفاء النية يناط التوفيق، ويتحقق الإصلاح، أما من يدخل بين الزوجين غضبًا وحمية، أو إفسادًا وسوء طوية-فإنه عن الرشد والتوفيق بمعزل.
ومن أعمال المصلح بين الزوجين أيضًا: أن يأخذ العهد والميثاق على كل منهما ليتقينَّ الله في صاحبه، كما روي عن محمد بن كعب القرظي قال: «كان علي بن أبي طالب ◙ يبعث الحكمين، حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها، فيقول الحكم من أهلها: يا فلان، ما تنقم من زوجتك؟ فيقول: أنقم منها كذا وكذا، فيقول: أرأيت إن نزعت عما تكره إلى ما تحب، هل أنت متقي الله فيها، ومعاشرها بالذي يحق عليك في نفقتها وكسوتها؟
فإذا قال: نعم، قال الحكم من أهله: يا فلانة، ما تنقمين من زوجك؟ فتقول مثل ذلك، فإن قالت: نعم، جمع بينهما»([14]).
وينبه هنا على أن الأصل أن يغلق الزوجان عليهما بابهما، ويصلحا ما بينهما بأنفسهما، فلا يلجأ إلى إقامة الحكمين إلا عند خوف الشر والشقاق، فعن ابن أبي مليكة: «أن عقيل بن أبي طالب تزوج فاطمة بنت ربيعة، فقالت له يومًا: أين عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة؟ فقال: على يساركِ في النار إذا دخلتِ.
قال: فولولت، وضربت على وجهها، ثم لبست ثيابها، وانطلقت إلى عثمان، فذكرت له ذلك، فضحك، ثم أرسل إلى ابن عباس وإلى معاوية، فقال: اذهبا، فاحكما بينهما.
قال ابن عباس: لأفرقنَّ بينهما، وقال معاوية: ما كنت لأفرق بين شيخين من بني عبد مناف.
قال: فانطلقا، فوجداهما قد أغلقا عليهما بابهما، وأصلحا أمرهما، فرجعا»([15]).
وإذا كان الزوج العاقل لا يفضح أهله بين الناس، وإن وقع الشقاق، فإن من المحسنين من يكون لزوجه خيرًا وأرأف بها من أهلها، والذي يضرب به المثل في التلطف بالأهل والإحسان إليهن هو رسول الله ﷺ، فعن النعمانِ بنِ بشير ◙ قال: «استأذن أبو بكرِ على النبي ﷺ، فَسمع صوت عائشةَ عالياً، فلما دخَلَ تناولها ليلطِمَها، وقال: ألا أراكِ تَرْفعَينَ صَوتَكِ على رسولِ الله ﷺ! فجعل النبي ﷺ يحجزُهُ، وخرج أبو بكر مُغضَبَاً، فقال النبي ﷺ: حين خرج أبو بكر: كَيْفَ رأيتِنِي أنْقَذْتُكِ من الرَّجُلِ؟ قال: فمكثَ أبو بكرِ أياماً، ثم استأذَنَ على رسولِ الله ﷺ فوجدَهما قد اصطلحَا، فقال لهما: أدخِلاني في سِلمكُما كما أدخلتُماني في حَرْبِكما، فقال النبي ﷺ: قد فعلنا، قد فعلنا»([16]).
فهذا هو المنهج الرباني والنبوي المعصوم، وهذا هو تطبيق خير القرون، فحريٌّ بالدعاة والمتصدرين للإصلاح بين الناس وإرشادهم أن يأخذوا بهذا المنهج، ويسلكوا هذا السبيل، ابتغاء رضوان الله تعالى؛ وإرغامًا للشيطان، وحفظًا وإقامة للأسر والبيوت.
الثاني: الصلح بين الزوجين بتنازل أحدهما عن بعض حقه:
قد يرى الرجل من امرأته ما يكره، حتى يرغب في فراقها، وتشعر الزوجة بذلك، وهي لا تريد الفراق، فلها في هذا الحال أن تتراضى مع زوجها على وجه من وجوه الصلح، أو نظام من أنظمة المعيشة والقسم بين الزوجات، بحيث يكون ذلك خيرًا من انقطاع الحياة بينهما بالكلية.
يقول الله تعالى: {وَإِنِ ٱمۡرَأَةٌ خَافَتۡ مِنۢ بَعۡلِهَا نُشُوزًا أَوۡ إِعۡرَاضٗا فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡهِمَآ أَن يُصۡلِحَا بَيۡنَهُمَا صُلۡحٗاۚ وَٱلصُّلۡحُ خَيۡرٞۗ وَأُحۡضِرَتِ ٱلۡأَنفُسُ ٱلشُّحَّۚ وَإِن تُحۡسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٗا} [النساء:128].
يقول علي بن أبي طالب ◙ في تفسير هذه الآية: «هو الرجل عنده امرأتان، فتكون إحداهما قد عجزت، أو تكون دميمة، فيريد فراقها، فتصالحه على أن يكون عندها ليلة، وعند الأخرى ليال، ولا يفارقها، فما طابت به نفسها فلا بأس به، فإن رجعت سوى بينهما»([17]).
وقد ختم الله تعالى هذه الآية بقوله تعالى: {وَإِن تُحۡسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٗا}؛ حثًّا للأزواج على مجاهدة أنفسهم في توفية حقوق نسائهم، والإحسان إليهنَّ وإن كرهوا منهنَّ شيئًا، يقول ابن كثير V: «أي: وإن تتجشموا مشقة الصبر على من تكرهون منهن، وتقسموا لهن أسوة أمثالهن، فإن الله عالم بذلك، وسيجزيكم على ذلك أوفر الجزاء»([18]).
- الإصلاح بين المتغاضبَين من المسلمين:
من الإصلاح الاجتماعي كذلك: الإصلاح بين آحاد المؤمنين فيما يقع بينهم من مشاحنات ومغاضبات، وقد أمر الله تعالى بهذا الإصلاح، وبالشفاعة فيه، يقول تعالى: {مَّن يَشۡفَعۡ شَفَٰعَةً حَسَنَةٗ يَكُن لَّهُۥ نَصِيبٞ مِّنۡهَاۖ وَمَن يَشۡفَعۡ شَفَٰعَةٗ سَيِّئَةٗ يَكُن لَّهُۥ كِفۡلٞ مِّنۡهَاۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ مُّقِيتٗا} [النساء:85]، ومن أخص الشفاعات الحسنة: الشفاعة في الإصلاح بين الناس، كما روي عن ابن عباس L أنه قال: «الشفاعة الحسنة: هي الإصلاح بين الناس، والشفاعة السيئة: هي المشي بالنميمة بين الناس»([19]).
والإصلاح بين الناس صدقة، يحبها الله ورسوله، ففي صحيح مسلم أن رسول الله ﷺ قال: «كُلُّ سُلَامَى مِنَ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ، كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ، قال: تَعْدِلُ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ صَدَقَةٌ، وَتُعِينُ الرَّجُلَ فِي دَابَّتِهِ فَتَحْمِلُهُ عَلَيْهَا، أَوْ تَرْفَعُ لَهُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ، قال: وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ خُطْوَةٍ تَمْشِيهَا إِلَى الصَّلَاةِ صَدَقَةٌ، وَتُمِيطُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ»([20]).
والمراد بالعدل بين الاثنين هنا: هو الإصلاح بينهما بالعدل؛ ولذلك ترجم البخاري لهذا الحديث بقوله: «باب فضل الإصلاح بين الناس، والعدل بينهم»([21]).
وفي الحديث أيضًا عن أبي أيوب الأنصاري ◙ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «يَا أَبَا أَيُّوبَ أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى صَدَقَةٍ يَرْضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ مَوْضِعَهَا؟ قال: بلى قال: تُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ إِذَا تَفَاسَدُوا، وَتُقَرِّبُ بَيْنَهُمْ إِذَا تَبَاعَدُوا»([22]).
وقد أصلح رسول الله ﷺ بين أبي بكر وعمر لما غاضب أحدهما صاحبه، فعن أبي الدرداء ◙ قال: «كنت جالسًا عند النبي ﷺ، إذ أقبل أبو بكر آخذًا بطرف ثوبه حتى أبدى عن ركبته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أَمَّا صَاحِبُكُمْ فَقَدْ غَامَرَ، فسلَّم وقال: إني كان بيني وبين ابن الخطاب شيء، فأسرعت إليه ثم ندمت، فسألته أن يغفر لي فأبى علي، فأقبلت إليك، فقال: يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ، ثلاثًا، ثم إن عمر ندم، فأتى منزل أبي بكر، فسأل: أثم أبو بكر؟ فقالوا: لا، فأتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسلم، فجعل وجه النبي صلى الله عليه وسلم يتمعر، حتى أشفق أبو بكر، فجثا على ركبتيه، فقال: يا رسول الله، والله أنا كنت أظلم، مرتين، فقال النبي ﷺ: إِنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي إِلَيْكُمْ فَقُلْتُمْ كَذَبْتَ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ صَدَقَ، وَوَاسَانِي بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، فَهَلْ أَنْتُمْ تَارِكُوا لِي صَاحِبِي؟ مرتين، فما أوذي بعدها»([23]).
- الإصلاح بين الشركاء والغرماء في المال:
إن أمر الأموال من أكثر ما يقع فيه التنازع بين الناس، وخاصة ما يكون بين الشركاء والخلطاء، قال تعالى على لسان داود عليه السلام: {وَإِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلۡخُلَطَآءِ لَيَبۡغِي بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٍ إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَقَلِيلٞ مَّا هُمۡۗ} [ص:24].
ولذلك اعتنى الشارع الحكيم بأمر للصلح والإصلاح فيه عناية خاصة، فندب سبحانه وتعالى إلى الإصلاح بين الورثة والموصى إليهم، فقال: {فَمَنۡ خَافَ مِن مُّوصٖ جَنَفًا أَوۡ إِثۡمٗا فَأَصۡلَحَ بَيۡنَهُمۡ فَلَآ إِثۡمَ عَلَيۡهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ} [البقرة:182].
فـ «إذا أخطأ الميت في وصيته أو جار متعمدًا فلا حرج على وليه أو وصيه أو والي أمور المسلمين أن يصلح بعد موته بين ورثته وبين الموصى لهم»([24])، «فيصلح القضية ويعدل في الوصية على الوجه الشرعي، ويعدل عن الذي أوصى به الميت إلى ما هو أقرب الأشياء إليه وأشبه الأمور به؛ جمعًا بين مقصود الموصي، والطريق الشرعي، وهذا الإصلاح والتوفيق ليس من التبديل في شيء»([25]).
وقد أصلح رسول الله ﷺ بين الغريمين غير مرة، فعن عائشة J قالت: سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم صوت خصوم بالباب عالية أصواتهما، وإذا أحدهما يستوضع الآخر، ويسترفقه في شيء، وهو يقول: والله لا أفعل، فخرج عليهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أَيْنَ المُتَأَلِّي عَلَى اللَّهِ، لاَ يَفْعَلُ المَعْرُوفَ؟، فقال: أنا يا رسول الله، وله أي ذلك أحب»([26]).
وعن كعب بن مالك ◙: «أنه تقاضى ابن أبي حدرد دينًا كان له عليه في عهد رسول الله ﷺ في المسجد، فارتفعت أصواتهما حتى سمعها رسول الله ﷺ وهو في بيته، فخرج إليهما رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كشف سجف حجرته، ونادى كعب بن مالك، فقال: يَا كَعْبُ، فقال: لبيك يا رسول الله، فأشار إليه بيده أن ضع الشطر من دينك، قال كعب: قد فعلت يا رسول الله، قال رسول الله ﷺ: قُمْ فَاقْضِه»([27]).
- الإصلاح بين طوائف المسلمين:
إن الإصلاح بين طوائف المؤمنين منقبة عظيمة، ومنزلة رفيعة، لا يستحقها إلا أهل السيادة والشرف، الذين يدفعون الشر عن المسلمين، ويحملون عنهم الحمالات؛ حسبة لله، ورغبة فيما عنده.
وهذا الإصلاح من الفرائض المأمور بها في كتاب الله، قال تعالى: {وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱقۡتَتَلُواْ فَأَصۡلِحُواْ بَيۡنَهُمَاۖ فَإِنۢ بَغَتۡ إِحۡدَىٰهُمَا عَلَى ٱلۡأُخۡرَىٰ فَقَٰتِلُواْ ٱلَّتِي تَبۡغِي حَتَّىٰ تَفِيٓءَ إِلَىٰٓ أَمۡرِ ٱللَّهِۚ فَإِن فَآءَتۡ فَأَصۡلِحُواْ بَيۡنَهُمَا بِٱلۡعَدۡلِ وَأَقۡسِطُوٓاْۖ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِينَ ٩ إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ إِخۡوَةٞ فَأَصۡلِحُواْ بَيۡنَ أَخَوَيۡكُمۡۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ ١٠} [الحجرات:9-10].
وقد كان النبي ﷺ مبادرًا إلى الإصلاح بين المؤمنين قبل أن يستفحل ما بينهم، فعن سهل بن سعد ◙: «أن أهل قباء اقتتلوا حتى تراموا بالحجارة، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، فقال: اذْهَبُوا بِنَا نُصْلِحُ بَيْنَهُمْ»([28]).
وقد شُغِل النبي ﷺ بالإصلاح بين أصحابه في هذا اليوم، حتى أقيمت الصلاة دونه، فصلى أبو بكر ◙ بالناس، ثم لحق رسول الله ﷺ بالصف، فاستأخر أبو بكر وتقدم رسول الله ﷺ([29]).
وقد بشَّر النبي ﷺ الحسن بن علي بالسيادة؛ لإصلاحه بين المؤمنين عام الجماعة، ففي الصحيح عن أبي بكرة ◙ قال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر والحسن بن علي إلى جنبه، وهو يقبل على الناس مرة، وعليه أخرى ويقول: إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ»([30]).
وإن من دلائل عناية الشريعة بهذا الشأن: الإذن لمن تحمَّل أموالًا يصلح بها بين المتقاتلين من المؤمنين بالأخذ من زكاة المال مع غناه، ليسد هذا الدين الذي احتمله للإصلاح بين الناس.
وبهذا نكون قد أتينا على المهم من مقصودنا في هذه العجالة، التي نختمها بآية كريمة، هي نبراس لكل مصلح على منهاج النبوة، وهي قول الله تعالى على لسانه نبيه الكريم شعيب: {وَمَآ أُرِيدُ أَنۡ أُخَالِفَكُمۡ إِلَىٰ مَآ أَنۡهَىٰكُمۡ عَنۡهُۚ إِنۡ أُرِيدُ إِلَّا ٱلۡإِصۡلَٰحَ مَا ٱسۡتَطَعۡتُۚ وَمَا تَوۡفِيقِيٓ إِلَّا بِٱللَّهِۚ عَلَيۡهِ تَوَكَّلۡتُ وَإِلَيۡهِ أُنِيبُ} [هود:88].
والحمد لله رب العالمين
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
([1]) راجع: الصحاح، للجوهري (1/ 383)، ومقاييس اللغة، لابن فارس (2/ 303).
([2]) أخرجه مسلم (49) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
([6]) أخرجه مسلم (2565) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
([7]) أخرجه البخاري (3346)، ومسلم (2880).
([8]) أخرجه أحمد (27508)، وأبو داود (4919)، والترمذي (2509)، وقال: «هذا حديث حسن صحيح».
([9]) أخرجه البخاري (2692)، ومسلم (2605) من حديث أم كلثوم بنت عقبة رضي الله عنها.
([10]) أخرجه مسلم (2564) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
([13]) أخرجه ابن جرير (6/ 721).
([14]) أخرجه ابن جرير (6/ 721).
([15]) أخرجه عبد بن حميد كما في قطعة من تفسيره (ص 92)، وابن جرير (6/725).
([16]) أخرجه أحمد (18394)، وأبو داود (4999).
([17]) أخرجه ابن جرير (7/ 549 -550)، والبيهقي في السنن الكبرى (14853).
([18]) تفسير ابن كثير (2/ 430).
([20]) أخرجه البخاري (2707)، ومسلم (1009) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
([22]) أخرجه أبو داود الطيالسي (599)، والبيهقي في شعب الإيمان (1058).
([25]) تفسير ابن كثير (1/ 495 -496).
([26]) أخرجه البخاري (2705)، ومسلم (1557).
([27]) أخرجه البخاري (457)، ومسلم (1558).
