الحمد لله وحده، وصلى الله وسلم وبارك على من لا نبي بعده، أما بعد:
فكما مرَّ أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري بأطوار في معتقده يعدها بعضهم طورين، ويعدها آخرون ثلاثةً، ويصل بها البعض إلى خمسةٍ، فقد مر المذهب بتطورات مهمة، ينبغي أن تستحضر في هذا السياق.
وفيما يتعلق بإمام المذهب، فإنه في طوره الأخير الذي مثلته كتبه الثلاثة: (رسالة إلى أهل الثغر)، (مقالات الإسلاميين)، (الإبانة)، يظهر فيها رجوعه الإجمالي إلى ما كان عليه أهل الحديث، مع بقاء اعتزاليات وتأثرات بمذهب ابن كلاب الكلامي، يظهر ذلك في صفة الكلام، وأنه أزلي لا ارتباط له بالمشيئة، كما يظهر في صفات الغضب والرضا، وأن الله خلق في العرش أمرًا أسماه: استواءً، وهذا من رواسب مذهب ابن كلاب النافي لقيام الأفعال الاختيارية بالله تعالى([1]).
وقد مايز بين أهل الحديث والكلابية في مقالات الإسلاميين، وعرض لمقالة أهل الحديث في كلام الله والقرآن إجمالًا، ولمقالة ابن كلاب تفصيلًا([2]).
قال شيخ الإسلام رحمه الله: «والذي كان أئمة السنة ينكرونه على ابن كلاب والأشعري بقايا من التجهم والاعتزال؛ مثل: اعتقاد صحة طريقة الأعراض، وتركيب الأجسام، وإنكار اتصاف الله بالأفعال القائمة به التي يشاؤها ويختارها، وأمثال ذلك من المسائل التي أشكلت على من كان أعلم من الأشعري بالسنة والحديث، وأقوال السلف والأئمة؛ كالحارث المحاسبي، وأبي علي الثقفي…»([3]).
وقال أيضًا عن أبي الحسن رحمه الله: «بل هو انتصر للمسائل المشهورة عند أهل السنة التي خالفهم فيها المعتزلة؛ كمسألة الرؤية، والكلام، وإثبات الصفات، ونحو ذلك، لكن كانت خبرته بالكلام خبرة مفصلة، وخبرته بالسنة خبرة مجملة، فلذلك وافق المعتزلة في بعض أصولهم التي التزموا لأجلها خلاف السنة، واعتقد أنه يمكنه الجمع بين تلك الأصول وبين الانتصار للسنة!»([4]).
ثم إن أتباع الأشعري من تلامذة تلامذته قاموا بتطوير المذهب، وأحدثوا تحولات فيه يمكن رصدها من خلال بعض أعلام الأشاعرة، وذلك على النحو التالي:
1-الإمام الباقلاني (403هـ):
يعتبر الباقلانـي من أبرز المؤثرين في المذهب، حتى عدَّه البعض المؤسس الثاني للمذهب، حيث وضع التأسيس العقلي للمذهب من حيث المادة والمنهج والموضوعات، والمؤلفات الكثيرة، وعني ببناء الأدلة العقلية بمقدماتها، وظهر لديه الاتكاء على الأدلة العقلية، وضعف الاستشهاد بالأدلة النقلية من غير إهمالٍ لها.
ويرصد ذلك بعض الباحثين بقوله: «لكن أتباعه عدلوا ابتداءً من الباقلانـي عن الاستشهاد بدليل النقل فيما ندر، مغلبين أدلة العقل»([5]).
كما مال الباقلاني لبعض أقوال المعتزلة، خاصةً في بعض الصفات، كما قاله محققا كتابه: (تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل)، «مما أدى إلى تعديل مذهب الأشعري من بعض الوجوه، وإلى تقريبه من رأي المعتزلة»([6]).
2-الإمام الجويني (478هـ):
يعتبر إمام الحرمين الجويني رحمه الله أحد المجددين في المذهب الأشعري على حد قول الدكتور النشار: «إن الجويني قد تابع المذهب الأشعري بوعيٍ تامٍّ، مجددًا لا مقلدًا»([7]).
وقد انتصر للأشاعرة أمام المعتزلة، وتابع المعتزلة في قضايا ومسائل، حيث تأول الصفات الخبرية بعبارات المعتزلة؛ مثل: تأويل الاستواء بالاستيلاء، بينما أوَّلها سابقوه؛ كابن فورك والبغدادي بالعلو والقهر عند الأول، وبالملك عند الثاني، كما يظهر من كتابيه (الشامل)، و(لمع الأدلة).
ورجح الجويني مذهب المعتزلة في عددٍ من المسائل، ودافع عنهم في التحسين والتقبيح العقليين، واعتمد آراء أبي هاشم الجبائي، وخالف الأشاعرة، وضعف أقوالهم في مسائل.
قال ابن تيمية رحمه الله: «وأما الجويني ومن سلك طريقته، فمالوا إلى مذهب المعتزلة، فإن أبا المعالي كان كثير المطالعة لكتب أبي هاشم، قليل المعرفة بالآثار، فأثر فيه مجموع الأمرين»([8]).
وبمنحى الجويني المغرق في العقل، المقل من النقل، المقارب للمعتزلة، تقلصت حدة الخلاف بين المذهبين، وقد خالف أئمة المذهب قبله، وتبعه من أتى بعده.
وقد مر الجويني في مؤلفاته تجاه قضية الصفات بطورين:
الأول: نزعة التأويل، ويمثلها كتبه: (الشامل)، و(الإرشاد)، و(لمع الأدلة)، وهذا قبل انتقاله ومجاورته بمكة.
والثانـي: نزعة التفويض، خاصةً في باب الصفات الخبرية، ويمثله كتابه: (العقيدة النظامية)، الذي صنفه بعد عودته من مكة إلى نيسابور.
3-الإمام الغزالي (505هـ):
كان للإمام الغزالي رحمه الله فضل على المذهب الأشعري في صياغته، والدفاع عنه، ووضع قانون التأويل الكلامي في مسألة تعارض العقل والنقل، وقد صبغ الغزالي التصوف بصبغة فلسفية إشراقية، وعلى يديه حصل نوع من الالتحام بين المسلك الأشعري والمسلك الصوفي، وقد ترك تراثًا عقديًّا لا يستهان به، ومن أهمه: (الاقتصاد في الاعتقاد)، و(تهافت الفلاسفة)، و(فضائح الباطنية)، و(قانون التأويل).
4-الإمام الرازي (606هـ):
للرازي إسهام كبير في تحويل المذهب وتطويره، فهو واضع الصيغة النهائية لقانون التأويل الكلامي في تعارض العقل والنقل.
وقد خالف أسلافه من الأشاعرة في مسائل كثيرة بلغت ستًّا وعشرين مسألةً عند بعضهم([9])، وأحصى آخرون مسائل أخرى.
وقد دخل في الفلسفة، وكتبها، وشرحها، وتتلمذ عليها، وألَّف فيها: (المباحث المشرقية)، (شرح عيون الحكمة) لابن سينا، و(شرح الشفا) لابن سينا، و(شرح النجاة) لابن سينا، و(شرح الإشارات) لابن سينا، وغيرها.
ومزج علم الكلام بالفلسفة كما في (المحصل)، و(المطالب العالية) من كتبه.
ويعتبر (أساس التقديس) من أهم كتبه التي اختصر فيها للمذهب الأشعري.
يقول ابن خلدون: «ثم خلط المتأخرون من المتكلمين مسائل علم الكلام لموضوع الإلهيات، ومسائله بمسائلها، فصارت كأنها فن واحد، ثم غيروا ترتيب الحكماء في مسائل الطبيعيات والإلهيات، وخلطوهما فنًّا واحدًا، قدموا الكلام في الأمور العامة، ثم أتبعوه بالجسمانيات وتوابعها، ثم بالروحانيات وتوابعها إلى آخر العلم.
كما فعله الإمام ابن الخطيب (الرازي) في (المباحث المشرقية)، وجميع من بعده من علماء الكلام([10]).
ويقول المستشرق جولد تسيهر: «إن علم الكلام قد استخدم في تأسيس قواعده ومقدماته، وفي تطوره وارتقائه: الفلسفة الأرسطاطالية كمرشد يسير على منهج قويم، وكان ذلك خصوصًا من الفخر الرازي»([11]).
يقول محقق كتاب (المحصل): «نستطيع أن نقول: إن الرازي قد لعب دورًا كبيرًا في علم الكلام والفلسفة الإسلامية، ويمكن إيجاد ذلك في نقطتين:
الأولى: أنه استوعب فلسفة أرسطو التقليدية، ثم كان أول من أدخل الفلسفة في علم الكلام، ونتيجةً لما قام به الرازي، أصبح علم الكلام فلسفةً! ويمكن أن نقول بعبارةٍ أخرى: إنه جعل تلك الفلسفة كلامًا.
الثانية: ظهر تأثير الرازي جليًّا في غيره من خلال بقاء العديد من العلماء والمفكرين أسرى اتجاهه ومنهجه بعد ذلك؛ مثل: الآمدي، والبيضاوي، والإيجي»([12]).
5-عَضُد الدين الإِيجي (756هـ):
الإيجي إمام في المعقولات، وكتابه: (المواقف) يمثل الصيغة النهائية لمذهب الأشاعرة من بعده.
يقول د. أحمد صبحي: «عند الإيجي نصل إلى ذروة ما بلغه علم الكلام عند الأشاعرة؛ إذ يتميز كتابه (المواقف) في شرح الجرجاني عليه بنسق متكامل شامل في عرض الموضوعات، وترتيب محكم لم يتمكن متكلم أشعري من بعده أن يزيد عليه فضلًا عن أن يجاريه، إنه لدى الأشاعرة يضارع ما بلغه (المغني) للقاضي عبد الجبار بالنسبة للمعتزلة، وما بلغه كتاب (الشفا) لابن سينا بالنسبة للفلاسفة»([13]).
ومما يلحظ: أن الأشاعرة كما تأثروا من أوائلهم بالمعتزلة، فقد تأثروا في أواخرهم بالفلاسفة.
ويمكن رصد هذا التطور بوضوحه التام عند كلٍّ من الرازي، والآمدي، والإيجي، والبيضاوي حتى قال الدكتور حسن الشافعي: ولولا استشهاد المتكلمين أحيانًا بالأدلة السمعية، لما تميزت مادة الكلام عن الفلسفة في هذه الفترة([14]).
والحمد لله رب العالمين
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
([1]) الإبانة (80، 81، 85، 92، 102).
([2]) مقالات الإسلاميين (92 -298 -584).
([3]) درء التعارض (7/97)، ومنهاج السنة (2/227-229).
([5]) مقدمة تحقيق التمهيد، للخضيري، وأبو ريدة (ص14).
([6]) الشامل، للجويني، تحقيق علي النشار، فيصل عون، وسهير مختار (ص76).
([9]) مقدمة تحقيق كتاب الرازي: محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين من العلماء والحكماء والمتكلمين، تحقيق حسين آتاي (ص48-50).
([10]) مقدمة ابن خلدون (ص495).
([11]) موقف أهل السنة القدماء بإزاء علوم الأوائل، جولد تسيهر، ضمن كتاب التراث اليوناني في الحضارة الإسلامية، عبد الرحمن بدوي (ص166).
([12]) مقدمة كتاب المحصل، حسين إتاي (ص6-8).
