الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على النَّبِيِّ المصطفى الأمين، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديه إلى يوم البعث والدين، أما بعد..
فإنَّ من مثارات الاختلاف بين المسلمين: حُكْم ما أُحْدِث في القرن الرابع الهجري على يد الفاطميين، من الاحتفال بالموالد، وأعظمها ذكرًا الاحتفال بمولد الرسول الكريم ﷺ.
وإنَّا في هذا المقام نزن هذه القضية بمعيار الأصول العلمية الصحيحة، ثم بمعيار المصالح الشرعية، والأحوال الواقعية، ناظرين إلى المسائل المجردة تارة، وإلى ما يحتف بها في الواقع من أحوال تارة أخرى، سائلين الله جل جلاله الهداية لما اخْتُلِف فيه من الحق بإذنه.
النظر الشرعي المجرد لقضية الاحتفال بالمولد:
إنَّ الخلاف في قضية المولد خلاف في تخليص السنة من البدعة، فلا مناص حينئذ من عودٍ إلى ما أصَّلَه الأئمة في البدعة من ضوابطَ وأصولٍ، وأول ذلك النظر في ضابط البدعة، ومدى انطباقه على الاحتفال بالمولد.
ضابط البدعة، ومدى انطباقه على الاحتفال بالمولد:
وأشهر تلك الضوابط والتعريفات، وأكثرها قبولًا بين أهل العلم، ما بيَّنه الشاطبي رحمه الله فقال: «البدعة عبارة عن: طريقة في الدين مختـرَعة، تُضَاهي الشرعية، يُقْصَد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه» <الاعتصام، للشاطبي (1/ 47)>.
- فقوله «طريقة»: يفيد أنه أمر يُسْلَك عليه، ويتكرر فعله، وهو منطبق على أمر المولد بلا مثنوية.
- وقوله: «في الدين»، مع قوله: «يُقْصَد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه»: منطبقان على أمر المولد، فكل من يعمل المولد يراه قربة يتقرب بها إلى الله تعالى، سواء بنفس الاحتفال، أو بما فيه من مجالس الذكر والتذكير بمحبة النبي ﷺ.
- وقوله: «مخترعة»: منطبق على المولد بإجماع المجيزين والمانعين من الفقهاء والمؤرخين، فلم يُنْقَل الاحتفال به عن النبي ﷺأو عن أحد من القرون المفضلة باتفاق.
وقد يقول قائل: إنَّ الاحتفال المشروع يتضمن الاجتماع للذكر، وقراءة السير، وإنشاد الأشعار، ونحو ذلك من الأعمال المباحة، التي ليست بمخترعة.
والجواب: إنَّ هذه الأعمال لمَّا اجتمعت في وقت واحد بكيفية معينة كونت هيئة جديدة تُسَمَّى الاحتفال، وهو محل البحث، أما تفكيك هذا الاحتفال إلى مفرداته الأولية، ثم الحكم على كل من هذه المفردات بمعزل عن الهيئة الاجتماعية، فهو كصنيع من يبيح الطواف بالقبور باعتبار الطواف مشيًا، والمشي مباح، فالمقصود: أنه لا مرية في أنَّ الاحتفال بالمولد السنوي -بأي صورة من صوره- أمر مخترع، لم يكن من أمر نبينا ﷺ ولا سادة أمته من الصحابة والتابعين.
- وقوله: «تضاهي الشرعية»: أي تشابه الطريقة الشرعية، وبيان هذا من وجهين:
- الأول: أنَّ فيها تشبيهًا لِمَا لم يُشَرِّعه الله بما شرعه، فكأن مبتدعها -بما يختطُّ لها من المواقيت والأقوال والأفعال والهيئات المخصوصة- منصِّبٌ نفسَه منصب التشريع، ليس في أمور المعاملات ومصالح العباد، بل في أمور العبادات التي لا مدخل فيها لتعليل، كمن يشرع صلاة سادسة في اليوم والليلة، أو يأمر بأذانين لكل صلاة، ونحو ذلك.
وانطباق هذا على المولد حقٌّ أيضًا، فتخصيص يوم في العام باجتماع واحتفال مخصوص، مشابه ومضاهٍ للعيدين اللذين شرعهما الله تعالى، يوم الفطر ويوم الأضحى، وقد نهى النبي ﷺ عن الاحتفال بغيرهما من الأعياد، وشدد فيه أهل العلم أعظم تشديد، كما نهى النبي ﷺ عن اتخاذ قبره عيدًا، ففي الحديث: «لا تَجعَلُوا قَبرِي عيدًا، وصلُّوا عليَّ؛ فإِنَّ صلاتكُم تَبلُغُني حَيثُ كنتُم»<أخرجه أحمد (8804)، وأبو داود (2042).>، وقد علق المناوي رحمه الله على هذا الحديث فقال: «يؤخذ منه أنَّ اجتماع العامة في بعض أضرحة الأولياء في يوم أو شهر مخصوص من السنة، ويقولون هذا يوم مولد الشيخ، ويأكلون ويشربون وربما يرقصون- منهيٌّ عنه شرعًا، وعلى ولي الشرع ردعهم على ذلك، وإنكاره عليهم، وإبطاله»<فيض القدير (4/ 199).>.
- الثاني:أنها تشتمل على بعض الخير، مما يوقع الاشتباه بينها وبين العبادات المشروعة، فيبعد أنْ تكون شرًّا محضًا، وهذا منطبق على المولد، وسيأتي له مزيد تفصيل.
فبهذا يتبين انطباق وصف البدعة على الاحتفال بالمولد وفق الضابط الذي ذكره الشاطبي رحمه الله، واعتمده أكثر أهل العلم، وهو مقارب لضوابط أخرى لغير الشاطبي، كقول أبي العباس الشمني رحمه الله: «ما أُحدِث على خلاف الحق المُتَلقَّى عن رسول الله ﷺ، مِن عِلم، أو عَمَلٍ، أو حال، بنوع شبهة، أو استحسان، وجُعِل دينًا قويمًا وصراطًا مستقيمًا»<حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص303).>، ولا إشكال هنا في حسم باب الاحتفال بالمولد، وعدِّه من البدع المحدثة المردودة.
حكم الاحتفال بالمولد على قول من يقسم البدعة إلى حسنة وقبيحة:
بقي أنْ يقال: ثمة طريقة أخرى في تعريف البدعة، تقسِّم البدعة إلى حسنة وقبيحة، بل إلى الأحكام الخمسة، وتخص البدع الضلالة منها بما أُحْدِث مخالفًا للأدلة الشرعية، وقد نقل أصحاب هذا القول عن الشافعي رحمه الله قوله: «المحدثات من الأمور ضربان:
أحدهما: ما أُحْدِث يخالف كتابًا أو سنة أو أثرًا أو إجماعًا، فهذه البدعة الضلالة.
والثانية: ما أُحْدِث من الخير لا خلاف فيه لواحد من هذا. وهذه محدثة غير مذمومة»<مناقب الشافعي، للبيهقي (1/469).>.
وليس المقام هنا مقام مناقشة هذه الطريقة في تعريف البدعة<تناول الشاطبي ( ذلك في الباب الثالث من كتابه الاعتصام.>، بل مقام تحقيق حكم الاحتفال بالمولد على هذا القول مع فرض التسليم به، وإنَّ لنا هنا أنْ نقول: إنَّ هذا الاحتفال مما يخالف السنة، ذلك أنَّ من السنة فِعْلًا وتَرْكًا، فما تركه النبي ﷺ، مما قامت الحاجة إلى فعله في زمانه، وانتفى المانع منه، ثم أمسك عنه الصحابة والتابعون، فهو من المتروك قصدًا، الذي إنْ فعله فاعل فقد دخل تحت قوله ﷺ: «مَن أَحْدَثَ فِي أمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ»<أخرجه البخاري (2697)، ومسلم (1718).>، وقوله: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»<أخرجه مسلم (1718).>.
وهذا النوع من الترك هو ما يسميه الأصوليُّون كفًّا، ويعدُّونه فعلًا من الأفعال، ومحلًّا للاقتداء، ومتعلقًا للثواب والعقاب، في مبحث أصوليٍّ غير خفيٍّ، بل إنَّ قسمًا كاملًا من السنة بُنِيَ على هذا الأصل، وهو السنة التقريرية، وهو تَرْك النبي ﷺ الإنكار لما شهده من أمور، ولم يقع من النبي ﷺ هنا فعل سوى الكف عن الإنكار، فاعتبار الكف في كل أحواله أمرًا عدميًّا لا فائدة له ولا دلالة: غفلة عظيمة، وهدمٌ لباب واسع من السنة وأصول الأحكام.
ومن المعلوم أنَّ المقتضي للاحتفال بالمولد كان متحققًا في زمنه ﷺ، فإنْ كان هو حلول الثاني عشر من شهر ربيع الأول، أو شكر الله على نعمته، أو إظهار محبة رسوله ﷺ، أو الدعوة إليها، أو التذكير بها- فكل ذلك قد وُجِد في زمنه ﷺ، وبقي بعد موته في زمان أصحابه وخلفائه وتابعيهم، دون مانع يحول دون الاحتفال، فلما أمسك النبي ﷺ وأصحابه عن الاحتفال كان هذا الترك كفًّا مقصودًا.
وإنَّ التقرب إلى الله جل جلاله بما أمسك عنه النبي ﷺ مع قيام دواعيه وانتفاء موانعه، هو نظير التقرب إليه تعالى بترك ما فعله النبي ﷺ.
ولا يُفْهَم كلام الشافعي المتقدم إلا على هذا الفهم، فهو عين ما صرَّح به في مواطن أخرى، وهو معتمد أئمة أهل السنة ممن سبقه ولحقه في القديم والحديث، يقول الشافعي رحمه الله ورضي عنه: «كل من تكلم بكلام في الدين، أو في شيء من هذه الأهواء ليس فيه إمام متقدم من النبي وأصحابه فقد أحدث في الإسلام حدثًا، وقد قال رسول الله، ﷺ: (مَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا أو آوَى مُحْدِثًا فِيْ الإسْلَامِ، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقْبَلُ اللهُ مِنْهُ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا)<أخرجه البخاري (6755)، ومسلم (1370).> »<مناقب الشافعي، للبيهقي (2/ 335).>.
وهذا صاحب الشافعي والآخذ عنه إمام أهل السنة: أحمد بن حنبل رحمه الله، لما سمع رجلًا يزيد في وصف الله D بما لم يرد، تغيَّر لونه وارتعد، ثم قال لولده عبد الله: «قِفْ بنا على هذا المُتخوِّض، فلمَّا حاذاه قال: يا هذا، رسول الله أغير على ربه D منك! قُلْ كما قال رسول الله ﷺ»<الاقتصاد في الاعتقاد، لابن قدامة (ص110).>.
وهذا شيخ الشافعي إمام دار الهجرة مالك بن أنس رحمه الله يقول: «أهل البدع الذين يتكلمون في أسماءِ الله، وصفاتِه، وكلامه، وعلمه، وقدرته، لا يسكتون عما سكت عنه الصحابةُ والتابعون»<أخرجه الصابوني في عقيدة السلف أصحاب الحديث (86).>، ويقول أيضًا: «لو كان الكلام علمًا، لَتكلَّم فيه الصحابة والتابعون كما تكلموا في الأحكام والشرائع، ولكنه باطلٌ يدل على باطل»<أخرجه الهروي في ذم الكلام (860).>.
ويقول الإمام الأوزاعي رحمه الله: «اصبر نفسَك على السُّنة، وَقِفْ حيث وقف القوم، وقُلْ بما قالوا، وكُفَّ عما كفوا عنه، واسلك سبيلَ سلفك الصالح، فإنه يسعك ما وسعهم»<أخرجه الهروي في ذم الكلام (910)، واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (315).>.
ويقول الإمام العادل عمر بن عبد العزيز رحمه الله في كلمات منيرة بيِّنة: «فارضَ لنفسك ما رضي به القوم لأنفسهم، فإنَّهم على علم وقفوا، وببصر نافذ كفوا، وهم على كشف الأمور كانوا أقوى، وبفضل ما كانوا فيه أَوْلَى، فإنْ كان الهدى ما أنتم عليه لقد سبقتموهم إليه، ولئن قلتم إنما حدث بعدهم ما أحدثه إلا من اتَّبع غير سبيلهم، ورغب بنفسه عنهم، فإنَّهم هم السابقون، فقد تكلَّموا فيه بما يكفي، ووصفوا منه ما يشفي، فما دونهم من مقصر، وما فوقهم من محسر، وقد قَصَّر قوم دونهم فجَفَوا، وطمح عنهم أقوام فغلوا، وإنهم بين ذلك لعلى هدى مستقيم»<أخرجه أبو داود (4612).>.
ومن قبله يقول الإمام إبراهيم النخعي رحمه الله: «لو بلغني أنهم -يعني: الصحابة- لم يجاوزوا بالوضوء ظفرًا، لَمَا جاوزته به، وكفى بنا على قوم إزراءً أنْ نخالف أعمالهم»<أخرجه الدارمي (224)، وابن بطة في الإبانة الكبرى (1/361، 362)، وأبو نُعَيم في الحلية (4/227).>.
ومن قبل هؤلاء جميعًا، وقف أعلم الأمة بالقرآن، عبد الله بن مسعود رضي الله عنه على قوم تحلَّقوا في المسجد حلقًا ينتظرون الصلاة في كل حلقة رجل، وفي أيديهم حصًى، فيقول: كبِّروا مائةً، فيكبرون مائةً، فيقول: هلِّلُوا مائةً، فيهللون مائةً، ويقول: سبِّحُوا مائةً، فيسبحون مائة، وقف عليهم رضي الله عنه فقال: «عُدُّوا سيئاتكم، فأنا ضامن ألَّا يضيع من حسناتكم شيء، وَيْحكم يا أمة مُحمَّد، ما أسرع هلكتَكُم! هؤلاء صحابة نبيكم ﷺ متوافرون، وهذه ثيابه لم تَبلُ، وآنيته لم تُكسر، والذي نفسي بيده، إنكم لعلى ملَّة هي أهدى من ملة مُحمَّد ﷺ، أو مفتتحو بابِ ضلالة!
قالوا: والله يا أبا عبد الرحمن، ما أردنا إلا الخير.
قال: وكم من مريدٍ للخير لن يصيبه، إن رسول الله ﷺ حدَّثنا أنَّ قومًا يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، وايمُ اللهِ، ما أدري لعلَّ أكثرهم منكم»، قال الراوي عمرو بن سلمة: «رأينا عامَّة أولئك الحلق يطاعنونا يوم النهروان مع الخوارج»<أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (39045)، والدارمي (210)، وابن وضاح في البدع والنهي عنها (258)، وأبو الحسن الواسطي، في تاريخ واسط (ص198)، وصحَّحه الألباني في الصحيحة (2005)، وقال حسين أسد: إسناده جيد.>.
فالأمر جدٌّ لا هزل فيه، وهو دين تامٌّ لا زيادة فيه، فمن رام إحداثًا في الدين يتقرَّب به إلى الله لم يزدد به من الله إلا بعدًا، ومن رسوله ﷺ إلا مخالفة وافتئاتًا.
قد يقول قائل: إنَّ تَرْك النبي ﷺ الاحتفال إنما كان لعدم الداعية إليه؛ ذلك أنَّ الناس كانوا في عهده ﷺ وفي القرون المفضلة على الحال الكامل من الذكر والاعتبار، فلما بعد العهد بالنبوة، وشغلت الناس الدنيا، لم يكفِ في هدايتهم من الضلالة، وتعليمهم من الجهالة، وإيقاظهم من الغفلة- ما سَنَّه النبي ﷺ من العبادات والمواسم والأذكار، فاحتاج الناس في هدايتهم وعبادتهم إلى زيادة هذا الاحتفال، ولو بقوا على سيرتهم الأولى لكفاهم هدي النبي ﷺ وأصحابه رضي الله عنهم.
وأقول: قد سمع رسول الله صلى الله وسلم وبارك عليه نحوًا من هذا القول -بل ما هو دونه- فغضب وأنكر، وشدَّد وحذَّر، فعن أنسِ بن مالكٍ ◙ قال: «جاء ثلاثة رهطٍ إلى بيوت أزواج النبيِّ ﷺ، يسألون عن عبادة النبيِّ ﷺ، فلما أُخْبِروا كأنهم تقالُّوها، فقالوا: وأين نحن من النبيِّ ﷺ؟! قد غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. قال أحدهم: أما أنا فإنِّي أصلي الليل أبدًا. وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر. وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا، فجاء رسول الله ﷺ إليهم، فقال: أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا، أَمَا -وَاللهِ- إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ، وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي»<أخرجه البخاري (5063)، ومسلم (1401).>.
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «سأل رجل رسول الله ﷺ وهو قائم على الباب وأنا أسمع، قال: أصبح جنبًا وأنا أريد الصوم؟ قال النبي ﷺ: إِنِّي أُصْبِحُ جُنُبًا وَأَنَا أُرِيدُ الصَّوْمَ، فقال الرجل: إني لست كمثلك، أنت غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر. فغضب النبي ﷺ، فقال: وَاللهِ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَخْشَاكُمْ لِلَّهِ، وَأَعْلَمَ بِمَا أَتَّقِي»<أخرجه مسلم (1110)، واللفظ لأحمد (24385).>.
فحقيقة هذا القول اتهام للشريعة بالقصور، ولسلف الأمة بالتقصير، ثم هي باب للابتداع والاختراع في الدين لا يسد، بل لا تكاد توجد بدعة إلا وصاحبها لمثل هذا القول يستند، فليت شعري من ذا الذي اهتدى إلى ما فات الرسول ﷺ وأصحابه، ومن الذي اختص بالفضل دونهم، أخبثاء الباطنية الكفار؟ أم متأخرو الصوفية الأغمار؟!
الاحتفال بالمولد النبوي في ميزان المصالح والمفاسد الواقعة:
إن الاحتفال بالمولد النبوي -فوق ما فيه من حيث التأصيل الشرعي- قد امتزج منذ أمد بعيد بجملة من المفاسد والمنكرات امتزاج الروح بالجسد، ولنسمع لعالم أزهريٍّ صرف وقته وجهده في الطواف بالبلاد المصرية لإرشاد العامة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأسس لأجل ذلك قسم الدعوة بكلية أصول الدين، وصنَّف كتاب (الإبداع في مضارِّ الابتداع)، الذي يصلح مرجعًا لتأريخ الحالة الدينية في بلده وزمنه، ألا وهو فضيلة الشيخ علي محفوظ رحمه الله.
يقول رحمه الله في كتابه بعد أن عدَّد جملة من المفاسد المحرمة في الموالد: «بقي النَّظر في هذه الموالد التي تُقام في هذه الأزمان، ولا شُبهة أنَّها لا تخلو عن المُحَرَّمات والمكروهات، وقد أصبحت مَراتِعَ للفسوق والفجور، وأسواقًا تباع فيها الأعراض، وتُنْتَهك محارم الله تعالى، وتُعَطَّل فيها بيوت العبادة، فلا ريب في حرمتها، والمصلحة المقصودة منها لا تُبيح هذه المحظورات التي فيها، ويمكن تأديتها من غير هذا الوجه.
والقاعدة: (أنَّ درء المفاسد مُقَدَّم على جلب المصالح)، وأنَّ النَّبي ﷺ اكتفى من الخير بما تيسر، وفَطَم عن جميع أنواع الشَّر؛ حيثُ قال: (فإِذا نَهيتُكم عَن شيءٍ فاجتنِبُوهُ، وإِذا أمَرْتُكُم بِأَمرٍ فأتُوا منهُ مَا استَطَعتُم)<أخرجه البخاري (7288)، ومسلم (1337) من حديث أبي هريرة (.> فهو صريح في أنَّ الشرَّ- وإنْ قلَّ- لا يُرَخَّص في شيء منه، والخير يُكْتَفَى منه بما تَيسَّر»<الإبداع في مضار الابتداع (ص 256).>.
ولو قال قائل: إن كانت الموالد قد اقترنت بمفاسد ومنكرات فقد اشتملت على مصالح أيضًا، فلا يُنْهَى عنها لأجل تحقيق تلك المصالح.
والجواب عن هذا من وجهين:
الأول: ليس من شروط البدعة الخلو من الفوائد، بل قد يقع فيها بعض الفوائد التي تَلَبَّس أمرها على الناس، لكن هذه الفوائد ليست سببًا صالحًا للتشريع والمشروعية، فليس شرطًا ألا يكون في هذه البدع فوائد، بل قال الله تعالى في الخمر والميسر: {يَسۡـٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡخَمۡرِ وَٱلۡمَيۡسِرِۖ قُلۡ فِيهِمَآ إِثۡمٞ كَبِيرٞ وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ وَإِثۡمُهُمَآ أَكۡبَرُ مِن نَّفۡعِهِمَاۗ } [البقرة:219].
بل قد يجد بعض الكفار في أديانهم فوائد، يقول شيخ الإسلام رحمه الله: «بل اليهود والنصارى يجدون في عباداتهم أيضًا فوائد؛ وذلك لأنه لا بد أن تشتمل عبادتهم على نوعٍ ما، مشروع من جنسه، كما أن أقوالهم لابد أن تشتمل على صدقٍ ما، مأثور عن الأنبياء، ثم مع ذلك لا يوجب أن نفعل عباداتهم، أو أن نروي كلماتهم» <اقتضاء الصراط المستقيم (ص 117).>.
فلو عطس إنسان فقال: «سبحان الله»، بدلًا من أن يقول: «الحمد لله»، فأصل هذا ذكر وخير، لكن مجيئه به في هذه المناسبة على هذا النحو تبديل للسنن الثابتة ورغبة عنها، وقد وقع نحو من هذا بين يدي عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، فعن نافع رحمه الله، «أن رجلًا عطس إلى جنب ابن عمر، فقال: الحمد لله، والسلام على رسول الله قال ابن عمر: وأنا أقول: الحمد لله والسلام على رسول الله، وليس هكذا علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، علمنا أن نقول: الحمد لله على كل حال»<أخرجه الترمذي (2738).>.
الثاني: أنه مهما استوى في الشيء مصلحة ومفسدة رجحت المفسدة فنُهِيَ عن الفعل؛ لأنَّ درء المفاسد مُقَدَّم على جلب المصالح كما مرَّ، يقول ابن حجر الهيتمي رحمه الله: «الموالد والأذكار التي تفعل عندنا أكثرها مشتمل على خير؛ كصدقة وذكر وصلاة وسلام على رسول الله ﷺ ومدحه، وعلى شرٍّ بل شرور، ولو لم يكن فيها إلا رؤية النساء للرجال الأجانب لكفى، وبعضها ليس فيه شرٌّ لكنه قليل نادر، ولا شَكَّ أنَّ القسم الأول ممنوع للقاعدة المشهورة المقررة: (إنَّ درء المفاسد مُقدَّم على جلب المصالح)؛ فمن عَلِمَ وقوع شيء من الشَّرِّ فيما يفعله من ذلك فهو آثم، وبفرض أنَّه لو عُمِلَ في ذلك خيرٌ، فرُبَّما خيرُهُ لا يساوي شَرَّهُ.
ألا ترى أنَّ الشارع ﷺ اكتفى من الخير بما تيسر، وفطم عن جميع أنواع الشَّر حيث قال: (إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ)<أخرجه البخاري (7288)، ومسلم (1337) من حديث أبي هريرة (.>، فتأمَّلْهُ تعلمْ ما قررته من أنَّ الشرَّ- وإنْ قلَّ- لا يُرخَّص في شيء منه، والخير يُكتفى منه بما تيسر»<الفتاوى الحديثية، لابن حجر الهيتمي (ص 109).>.
فجملة القول: أنَّه لو قُدِّر غلبة ما قد يوجد في تلك الموالد من مصالح ومنافع، فهذا لا يبيح مخالفة الشرع بالابتداع، فكيف والمفاسد عليها غالبة، بل طاغية؟ والمنكرات ظاهرة متجذرة؟
وقفات مع المآلات:
إنَّ لنا في ختام هذا المقال وقفة موجزة مع المآلات، والنظر في المآلات هنا ليس ضربًا من الخيال والتوقع؛ ذلك أن الموالد في الأمة قديمة، فمآلاتها على من عُني بها شاهدة ماثلة، ولنا مع تلك المآلات وقفات:
- مآلات الموالد على حفظ الدين: إنَّ أعظم المقاصد الشرعية، وأولى المصالح الضرورية: حفظ الدين على قواعده المستقرة، بإحياء السنن وإماتة البدع، فما مآلات التوسع في إقامة الموالد على حفظ الدين؟
مآله فتح الباب على مصراعيه لابتداع البدع الإضافية والحقيقية، حتى ينقسم الدين شعبًا وطرائق، لكل طريقة أوراد وأذكار وصلوات وأيام صيام لم ترد في كتاب منزَّل، ولا عرفها نبي مرسل، بل صلَّى بعضهم إلى غير القبلة، وحج آخرون إلى المشاهد لا المشاعر، كل ذلك تحت عنوان: أنَّ في هذه العبادات المبتدعة والتشريعات المحدثة مصالح ومنافع، وأنها تدخل تحت العمومات، فمنعها وإباحة الموالد هوى وتحكم.
ومن مآلاته أيضًا: التهاون بالسنن وإماتتها، فـ «ما ابتدع قومٌ بدعة في دينهم إلا نزع الله من سنتهم مثلها»<أخرجه الدارمي في سننه (99)، من قول حسان بن عطية رحمه الله.>، فمن ابتدع مواسم وأعيادًا وعبادات زهد فيما شرعه الله من مواسم الخير وأيام الله، وقد طال بنا زمان حتى سمعنا من يفضل ليلة المولد على ليلة القدر!
- مآلات الموالد على نهضة المسلمين: إنَّ الواقع يشهد، والموالد القائمة في ربوع المسلمين تنطق- بأن الغارقين في تلك الموالد غارقون في الخرافة، معرضون عن قضايا الأمة، مسالمون لأعدائها.
ومراكز أبحاث أعداء الأمة تكتب وتنشر بضرورة دعم الموالد وأهلها، ونشر ثقافة الخرافة بين أبنائها، بل إن بعض السفراء يحضرون الموالد ويشهدونها، كيف لا؟ وهي بريد الهزيمة، ومفتتح باب الإعراض عن الكتاب والسنة، بُثَّ ذلك في عشرات التقارير والبحوث والتصريحات<فصلت ذلك في كتاب: «ولتستبين سبيل المجرمين».>.
- مآلات الموالد على اجتماع كلمة المسلمين: إنَّ السنة قد اقترنت بالجماعة، كما اقترنت البدعة بالفرقة، وإنَّ غلاة أهل البدع لا يكتفون بصنع بدعتهم حتى يدعو الناس إليها، ولا يقفون عند ذلك حتى يذموا من خالفهم فيها، ويجرحونه في دينه وعرضه، وقد بلغت ببعضهم الفرية أن رمى كل من لم يحتفل بالمولد ببغض رسول الله ﷺ، أو بالتقصير في محبته!
فهلَّا وَسِعَ هؤلاء ما وسع رسول الله ﷺ وأصحابه حين لم يحتفلوا بمولده ولا دعوا إليه! وهل العبد مسؤول في قبره وبين يدي ربه عن شهود الحفلات؟!
وفي المقابل قد يبغي بعض الناهين عن المولد، فلا يفرق بين جاهل ومعاند، ولا داعية للبدعة ومقلد، ولا شك أن المحتفلين بالمولد مراتب، أشدهم من عاند الحجة بعد قيامها عليه، ومن احتفل بالمنكرات والمحرمات، فجمع بين منكرات العلم والعمل، وأهون هؤلاء قوم عذروا بجهل أو تقليد، وقصدوا الحق فأخطأوه، وأرادوا الخير فما بلغوه.
- مآلات الموالد على أخلاق المسلمين: إذا كان الشيخ علي محفوظ رحمه الله قد أشار إلى ما يقع في الموالد في زمنه من الفواحش والبلايا، فإنَّ واقع أكثر الموالد اليوم ينبئ عن أزمة أخلاقية، وإنَّ مقاطعَ مصورة قد خرجت على الناس بمشاهد تأباها الفطر السوية، ويندى لها الجبين.
وهكذا… ما رفعت راية لبدعة، إلا درست سُنَّة، وفسدت النفوس، وخولف بين الوجوه، وتغيَّرت الأخلاق، وغُيِّبت الأمة عن كل سباق ولحاق.
فاللهم أبرم لأمة حبيبك أمر رشد، ويسِّر لهم سبل الهدى، واسلك بهم جادَّة المصطفى، واجعلنا وإياهم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه..
والحمد لله رب العالمين
