الحمد لله وحده، وصلى الله وسلم على من لا نبي بعده، وبعد..
فإن من أخطر الكيد للإسلام: أن يحرر علماني فكرة باطلة تنادي على فسادها وضلال من أطلقها! ثم يأتي بعد ذلك مفتونٌ يتلقف تلك الفكرة خبيثة المظهر والجوهر؛ فيعمل على المحافظة على جوهرها وتعديل مظهرها، حتى لتبدو كأنها فكرة إسلامية!
وتتعدد مداخل الإفك على المسلمين بتعدد المفتونين!
وعبر التاريخ الإسلامي كانت الانحرافات الكبرى تبدأ من هذه النقطة، فيلقي يهودي أو نصراني أسلم نفاقًا بدعته، ثم ينتهي الأمر إلى بعض من يتلقفها عنه من المفتونين، ضعافِ العقل والإيمان، فيلبِّسوا على الناس تلك الضلالات؛ فتنتشر في الأمة، وما انتشرت بدعة الرفض والقول بالقدر([1])، إلا من هذا السبيل!
وكثيرًا ما فشلت وتفشل التيارات الفكرية الإلحادية والأطروحات العلمانية والتغريبية التي يطرحها غير المسلمين في بلاد المسلمين، حتى يتبناها بعض المفتونين من بني جلدتنا، أو من بني دعوتنا؛ فيسعى خداعًا لأسلمة الشكل منها والمظهر، ويبقي على الجوهر والمخبر!
فإذا بالعلمانية ترتدي زيًّا إسلاميًّا!
وسواء أكان من يسعى لأسلمة الانحرافات من المفتونين أم كان من المغفلين، أم من المأزومين؛ فإن النتيجة التي تترتب على تلبيسه الحقَّ واحدة!
والأمثلة كثيرة، فما كانت فكرة فصل الدين عن الدولة لتسمع في الشرق، حتى زعم شيخ معمَّمٌ مفتون-هو: علي عبد الرازق-أن الإسلام دينٌ لا دولة فيه، ولا دولة تخصه!
وقد قام أكابر العلماء قبل نحو مائة سنة بالرد عليه، وحكموا بإخراجه من زمرة العلماء، ومنهم من دعاه لتجديد إسلامه لإتيانه كفرًا!
منهم أصحاب الفضيلة المشايخ:
- محمد الخضر حسين، شيخ الأزهر.
- محمد بخيت المطيعي، مفتي الديار المصرية.
- الطاهر بن عاشور، المفسر والقاضي المالكي، شيخ جامعة الزيتونة.
- يوسف الدجوي، عضو هيئة كبار العلماء.
- وأصدرت هيئة كبار العلماء بيانًا في الرد على الكتاب وبيان ما فيه([2]).
وللأسف بعد أن انسحب علي عبد الرازق من مقولته، إذا بنا نسمعها مجددًا على يد بعض الدعاة المتفلسفين والساسة المأزومين!
ووجد من يؤصل ليجعل من دولة الإسلام مسخًا علمانيًا مشوهًا، تارة تحت اسم مدنية الدولة، وأخرى بزعم تأول قول نبينا صلى الله عليه وسلم: «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ»([3])، وثالثة بإنكار أن في الإسلام نصوصًا تنظم شأن الدولة!
وعلى يد جماعة المهزومين والمأزومين والمأجورين أصبح الدين الحق بشريعته الخاتمة يومًا اشتراكيًا ويومًا رأسماليًّا ويومًا قوميًّا وليبراليًّا، يلبسونه لبوس كل ملة، ويدخلون به في كل نحلة!
ثم ذهبت تلك الجماعة الضالة إلى كل فروع التراث الإسلامي، عقيدةً وتفسيرًا وحديثًا وأصولًا وتاريخًا وحضارة وثقافة، وكلِّ بابٍ من أبواب شريعة الرحمن-لتعيد صياغة موقف المسلم منه، وتعدل فهمه له، بما ينتج دينًا جديدًا يرتضيه أعداء الدين الحق، المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم!
ولقد تمخض كيدهم لأصول الإسلام عن تحويل التوحيد إلى فلسفة ووحدة وجود، وتحويل أصول العقائد من القطعية والثبوت، إلى مساحات الأخذ والرد، والتأويل والاعتراض.
وعن تحويل نصوص القرآن من القدسية والتعظيم إلى القول بتاريخية النص القرآني وأنسنته، وتحويل معانيه الثابتة المتلقاة عن سلف الأمة بعد نبيها صلى الله عليه وسلم إلى اطِّراح تفاسير السلف له، وتفسيره برؤية علمانية، تؤصل للإلحاد في آيات الله، وتخرج في التفسير عن إجماعات أهله، وتبتدع في التفسير أصولًا باطلة!
ومثل هذا يصنعون في الحديث! فيذهبون إلى طرح حديث الآحاد، وإنكار حجيته ولو كان صحيحًا، فلا يأخذون به في علم أو عمل، ولا يقبلون ثبوت غير المتواتر! ثم إذا أتاهم المتواتر بخلاف ما تلقَّوه عن متبوعيهم في الشرق والغرب، دفعوه بما دفعوا به نصوص القرآن، من آلات التأويل الباطني، والتحريف الحداثي.
ثم يمموا شطر علم أصول الفقه، الذي هو علم أصول التلقي والاستدلال والفهم والاستنباط، فنادوا بتجديده لا تجديدًا يحيي من العلم ما اندرس، ويجلي من معالمه ما انطمس، بل غايتهم من هذا «التبديد» إحداث أصول جديدة، وإسقاط أصول ثابتة، ومعارضة أصول أخرى بأوهام وترَّهات، ما قام عليها من الله برهان!
أما أحكام الفقه فلا يلزمهم منها إلا ما وقع عليه الإجماع، وهو نزر يسير من الأحكام! والتجديد في الفقه عندهم: إعطاء حق الاجتهاد لمن لا يقيم النص العربي قراءة بلسانه، فضلًا عن أن يعقله بقلبه!
وهكذا يصنعون في سائر العلوم، فلا يسلم من التخريب علم ولا فن، ولا تنجو منه قضية علمية أو فكرية أو واقعية؛ ليصبح المسلمون في النهاية بلا فهم للإسلام، ولا هوية تنبع من أصوله وشريعته، ولا وعي بحقه أو قضيته!
واستبانة سبيل المجرمين مطلب شرعيٌّ، والرد على إفكهم عمل مرضيٌّ، وحراسة ثوابت الدين ومحكماته واجب عينيٌّ على كل قادر بما يستطيع، {وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحج:40].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
([1]) أصل بدعة الرفض من عبد الله بن سبأ، وهو يهودي الأصل، أما أصل بدعة القدر فهي من معبد الجهني، وقد أخرج ابن عساكر وغيره: أن معبدًا أخذ القول بالقدر عن رجل نصراني دخل في الإسلام، ثم عاد فتنصَّر، واسمه سوسن، أو سنسويه. راجع: تاريخ دمشق (48/192).
([2]) وسيصدر كل ذلك قريبًا في مجلَّد واحد مجموع، عن دار اليسر للنشر والتوزيع، وراجع للاستزادة في هذا الموضوع كتاب: معركة الإسلام وأصول الحكم، لد. محمد عمارة.
