الحمد لله القائل: {وَلَا تَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمۡوَٰتَۢاۚ بَلۡ أَحۡيَآءٌ عِندَ رَبِّهِمۡ يُرۡزَقُونَ} [آل عمران:169].
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا القائل: «وَلَوَدِدْتُ أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ»([1])، ثم أما بعد..
فإن الله تعالى يصطفي من خلقه من يشاء لأعلى الدرجات! فيوفقهم لعمل الصالحات، وهو سبحانه يعطي على الجهاد ومراغمة الأعداء أجرًا عظيماً؛ كيف لا وهو القائل: { إِنَّ ٱللَّهَ ٱشۡتَرَىٰ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَنفُسَهُمۡ وَأَمۡوَٰلَهُم بِأَنَّ لَهُمُ ٱلۡجَنَّةَۚ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيَقۡتُلُونَ وَيُقۡتَلُونَۖ وَعۡدًا عَلَيۡهِ حَقّٗا فِي ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَٱلۡإِنجِيلِ وَٱلۡقُرۡءَانِۚ وَمَنۡ أَوۡفَىٰ بِعَهۡدِهِۦ مِنَ ٱللَّهِۚ فَٱسۡتَبۡشِرُواْ بِبَيۡعِكُمُ ٱلَّذِي بَايَعۡتُم بِهِۦۚ وَذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ} [التوبة:111].
ويعطي على الرباط فضلًا كبيرًا، وقد قال سبحانه: { يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱصۡبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ} [آل عمران: 200].
ولما سئل النبي ﷺ عن أفضل الأعمال قال: «إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، قيل ثم ماذا؟ قال: الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، قيل ثم ماذا؟ قال: حَجٌّ مَبْرُورٌ»([2]).
وفي الحديث: «رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ، وَإِنْ مَاتَ جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُهُ، وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، وَأَمِنَ الْفَتَّانَ»([3]).
ولما سئل ابن تيمية رحمه الله عن الأفضل: هل هو المجاورة بمسجد من المساجد الثلاثة أم المرابطة بثغر من الثغور؟! أجاب بأن المرابطة بالثغور أفضل من المجاورة في المساجد الثلاثة، وقال: لا أعلم خلافاً بين العلماء في ذلك([4]).
فكيف إذا كان الرباط ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس؟! إنه رباط بالثغور ومجاورة في الأقصى معاً.
| يا عابد الحرمين لو أبصرتنا | لعلمت أنك بالعبادة تلعب ([5]) |
والله تعالى يعطي من صبر محتسباً من يفقده من الأهل والأولاد والأحباب أجرًا جزيلًا، فقد قال ﷺ: «مَا مِنَ النَّاسِ مُسْلِمٌ يَمُوتُ لَهُ ثَلَاثَةٌ مِنَ الْوَلَدِ لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللهُ الْجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ»([6]).
وقال ﷺ: «يقول الله تعالى مَا لِعَبْدِي الْمُؤْمِنِ عِنْدِي جَزَاءٌ إِذَا قَبَضْتُ صَفِيَّهُ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا، ثُمَّ احْتَسَبَهُ إِلاَّ الْجَنَّةُ»([7]).
وأما صاحب القرآن والماهر به فله منزلة سنيَّةٌ لا يدانيها أحد! فقد قال ﷺ: «الْمَاهِرُ بِالْقُرْآنِ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ»([8]).
وأما من ولي شيئاً من أمر المسلمين فكان عادلاً فيهم رحيماً بهم، فإن الله تعالى يظله بظله يوم لا ظلَّ إلا ظله! وقد قال ﷺ: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ، يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: إِمَامٌ عَادِلٌ…»([9]).
إن كل خصلة من تلك الخصال توجب للقائم بها مع الإيمان الجنة، وتجعله من خاصة أهل الله تعالى في الآخرة، فكيف إذا اجتمعت تلك الخلال، واتحدت تلك الخصال في ذاتٍ شريفة واحدة!
إنها الإمامة التي لا ينالها إلا كل ذي حظ عظيم!
وقد اجتمعت تلك الخصال في الشيخ الشهيد بإذن الله، كما نحسبه والله حسيبه!
هنيئاً له بالإيمان، وهنيئاً له بالقرآن، وهنيئاً له بالجهاد والرباط والاستشهاد، وهنيئاً له الصبر والاحتساب على فقد الأولاد والأحفاد والإخوان، وهنيئاً له بالإمامة في أبواب من الدين، ولقد كان حرياً بها، وأهلاً لها!
فلئن جرى قضاء الله له بالقتل في سبيل الله فهو نعم القضاء! وهو خير له وخير لأمته، وقد قال سبحانه: {وَلِيَعۡلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمۡ شُهَدَآءَۗ} [آل عمران: 140].
وقال سبحانه: {لَا تَحۡسَبُوهُ شَرّٗا لَّكُمۖ} [النور: 11].
وقال جلَّ وعلا: { إِن تَكُونُواْ تَأۡلَمُونَ فَإِنَّهُمۡ يَأۡلَمُونَ كَمَا تَأۡلَمُونَۖ وَتَرۡجُونَ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا يَرۡجُونَۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} [النساء: 104].
وقال: {وَلَنَبۡلُوَنَّكُم بِشَيۡءٖ مِّنَ ٱلۡخَوۡفِ وَٱلۡجُوعِ وَنَقۡصٖ مِّنَ ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَٰتِۗ وَبَشِّرِ ٱلصَّٰبِرِينَ ١٥٥ ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَٰبَتۡهُم مُّصِيبَةٞ قَالُوٓاْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيۡهِ رَٰجِعُونَ ١٥٦ أُوْلَٰٓئِكَ عَلَيۡهِمۡ صَلَوَٰتٞ مِّن رَّبِّهِمۡ وَرَحۡمَةٞۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُهۡتَدُونَ} [البقرة: 155-157].
| يا نفس إلا تقتلي تموتي |
هذا حمام الموت قد صليت |
|
| وما تمنيتِ فقد أعطيتِ |
إن تفعلي فعلهما هديتِ([10]) |
ولسان حال أبنائه وأحفاده وإخوانه يقول:
| أخي قد أصابك سهم ذليل |
وغدرًا رماك ذراعٌ كليل |
|
| ستبتر يوماً فصبر جميل |
ولم يَدْمَ بَعْدُ عرين الأسود |
وكل قائد من بعده سيزأر:
| سأثأر لكن لربٍ ودين |
وأمضي على سنتي في يقين |
|
| فإما إلى النصر فوق الأنام |
وإما إلى الله في الخالدين |
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
([1]) أخرجه البخاري (7227) ومسلم (1876) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
([2]) أخرجه البخاري (26) ومسلم (83) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
([3]) أخرجه مسلم (1913) من حديث سلمان الفارسي رضي الله عنه.
([4]) مجموع الفتاوى (27/24-28).
([5]) البيت لعبد الله بن المبارك♫، تاريخ دمشق، لابن عساكر (32/449).
([6]) أخرجه البخاري (1381)من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.
([7]) أخرجه البخاري (6424) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
([8]) أخرجه مسلم (798)من حديث عائشة رضي الله عنها.
([9]) أخرجه البخاري (660) ومسلم (1031)من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
([10]) البيتان لعبد الله بن رواحة رضي الله عنه، انظر: تاريخ دمشق، لابن عساكر (28/126).
