الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:
فإن من الحكمة وحسن التوفيق: الرد إلى الأصول والمعاقد، ومعرفة الأصول والمقاصد، والاستمساك بمحالِّ الإجماع والاتفاق، وترك المجازفة بالآراء، ومتابعة الأهواء.
فمن تمسك بالسنة المتبعة، ولزم الجادة البيِّنة، واتبع ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ووسعه ما وسعهم، فقد سلم، وما فاته من الخير شيء.
وفي الحديث عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: بينما نحنُ حولَ رسول الله – صلَّى الله عليه وسلم – إذ ذَكَرَ الفتنة، فقال: «إذا رأيتُم الناسَ قد مَرِجَتْ عُهودُهم، وخَفَّت أماناتهم، فكانوا هكذا، وشَبَّك بين أصابعه، قال: فقمتُ إليه فقلت: كيف أفعلُ عند ذلك -جعلني الله فداك-؟ قال: الزَم بيتك، واملِك عليكَ لسانكَ، وخذ بما تعرِفُ، ودَع ما تنكِرُ…»([1])، فهكذا فليكن المسلم الشحيح بدينه!
وإننا إذا طبقنا هذا المنهج النبوي في قضية الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلم، والتي تشعث الناس فيها واختلفوا من قديم، فإننا نقف على جملة من مواطن الاتفاق والإجماع، فنقول:
بعيدًا عن الجدل حول إباحة عمل المولد النبوي وبدعيته: لو أن مسلما عاش دهره إلى أن لقي ربه ولم يعرف المولد ولم يعمله قط، فإن ذلك لن ينتقص من محبته لنبيه صلى الله عليه وسلم شيئا! وإن نبيه لن يسأله يوم القيامة لماذا لم تحتفل بمولدي، وإنما سيسأله لماذا لم تعتن بسنتي؟
لا يختلف على ذلك عالمان.
فيا أيها العاقل إن أبيت إلا أن تحتفي بذلك اليوم فاحتفل به كما كان نبيك يحتفل به كل أسبوع فيصوم ذلك اليوم، وهذا لا يختلف على مشروعيته؛ بل ولا على استحباب صيام يوم الاثنين أسبوعيًّا أحد من أهل العلم.
كما لا ينبغي أن يقع خلاف في أن الموالد المشتملة اليوم على منكرات معلومة لا يمكن لمن شارك فيها أو لم يشارك أن يمنعها، كما لا يستطاع دفعها في بعض البلاد والأماكن- ولا يتصور أن تكون مشروعة بحال!
وإذا كانت ثمة مصالح مفترضة قد زاحمتها مفاسد واقعة فإن درء المفاسد مقدم على جلب المنافع والمصالح، وذلك مما اتفق أهل العلم عليه ايضًا.
وقد اتفقت كلمة العلماء أن من ابتدأ هذا المولد وموالد أخرى مبتدعة هم الباطنيون الفاطميون! قال مفتي الديار المصرية الشيخ محمد بخيت المطيعي: «أنت إذا علمت ما كان يعمله الفاطميون في المولد النبوي؛ جزمت بأنه لا يمكن بأن يحكم عليه بالحل»([2]).
وقد شهد العلماء على الفاطميين بالإلحاد والزندقة!
قال الباقلاني رحمه الله: «هم قوم يظهرون الرفض، ويبطنون الكفر المحض»([3]).
ومن العجب أن يكون واضع بذرة الرفض عبدالله ابن سبأ اليهودي، وأول من ابتدأ المولد النبوي وابتدع غيره من الموالد هم الفاطميون أبناء اليهودي عبيد الله بن ميمون القداح!
ومما لا ينبغي الخلاف فيه بين المسلمين: أن يوم المولد ليس عيدًا ولا يضاهي العيد الشرعي الذي تشرع فيه قُرَبٌ مخصوصة، كصلاة وخطبة وذبح، فمن عده من الأعياد ونزله منزلتها فقد أتى ببدعة! وكذلك من زعم ليومه أو لليلته فضائل أو خصائص لم تثبت في السنة، أو زعم أن ليلته أفضل من ليلة القدر فقد زاد في الغلو!
بقي أن يقال إن يوم الثاني عشر من ربيع الأول هو قول من ستة أقوال في يوم مولده صلى الله عليه وسلم، والجمهور على أنه يوم وفاته، والمعتمد المتفق عليه: أن مولده يوم الاثنين في شهر ربيع الأول من غير جزم في تحديد اليوم.
ومن أباح العناية بذكر شمائله وفضائله ودلائل نبوته ﷺ، وأخبار سيرته، وشكر نعمة الله ببعثته ورسالته، في شهر ربيع الأول إنما اعتبر ذلك عادة لا عبادة، أو مناسبة اجتماعية أو تربوية، ومن غير حصول منكرات أخلاقية واجتماعية يندى لها جبين الطهر، كما هو واقع في بعض الأماكن من بعض الناس!
وكما أن من احتفل بالمولد لا يمكن أن تنفى عنه المحبة للنبي ﷺ، فكذا من لم يحتفل لا تنفى عنه المحبة للنبي ﷺ؛ لأن كل مسلم يتعين عليه أن يحب رسول الله ﷺ فوق محبته لولده ووالده ونفسه؛ بل لو قدر أن يبذل في رؤيته ﷺ منامًا كل ما يملك لفعل! قال الله تعالى: {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم}.
ولو أن مسلما أكثر من الصلاة على نبيه ﷺ كل يوم واحتفى بذكر سيرته وشمائله وخصائص وأعلام نبوته، ورتب دروسًا في ذلك لأسرته وأهل حيه ومسجده، شاكرًا نعمة الله ببعثته ورسالته، ومعرفا الدنيا بمآثره وفضائله، ومعلنا بعظيم محبته، وكامل مودته لقرابته ﷺ، ولم يحتفل بمولده، فما قصَّر ولا فاته أجر، ولا لحقه عتاب أو ملامة!
والعجب لا ينقضي ممن قال بأن الاحتفال عادة لا عبادة ثم هو ينكر على من ترك الاحتفال انكاره على مرتكب الموبقات!
أما الذين يتخذون المولد سلما للارتزاق أو وسيلة للجاه والمناصب، أو سبيلا لتحقيق أغراض سياسية، فهؤلاء لا كلام معهم أصلا!
ومن لم يكن له سعة فيما وسع رسول الله ﷺ وأصحابه والتابعين وتابعيهم فلا وسَّع الله عليه!
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
