يبحث بعضهم عن أمورٍ في تراثنا الفقهي كالتداول السلمي للسلطة، أو عمل السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، أو أدوات الرقابة، أو محاسبة الولاة، وغيرها من مفردات النظم المعاصرة المستمدة من النظام الغربي، فلا يجد في كتابات المتقدمين ما يغني فيعود باللوم والالنقد على الشريعة تارة وعلى الفقه أخرى وعلى التراث بأسره ثالثة!
ومما ينبغي أن يعرف أن الشريعة بمواردها النصوصية والقواعدية والمقاصدية قدمت ما يكفي ويشفي لبحث كل الالمستجدات وتدبير شئون الدولة ومختلف السياسات، وذلك لمن يجتهد ويجدد لا لمن ينقل ويقلد!
فليس من الصواب أن يسأل التراث الفقهي المتقدم عن نوازل في الشأن السياسي نشأت أو نتجت في الغرب بعد الثورة الفرنسية بحمولتها الفكرية والثقافية الخاصة، وتداعياتها المتعددة!
فالتراث الفقهي بموارده وسوابق اجتهادات أهله صالحٌ لمن كان مؤهلاً لاستنطاقه وللانطلاق من أسسه ومحكماته، فلا ينبغي أن يسأل المتقدمون عن تقصير الفقهاء المتأخرين ولا عن إعراض الحكام المتغربين عن شريعة رب العالمين.
فلو تتبع الفقهاء المعاصرون اليوم مادة السياسة الشرعية في مظانها التراثية وتطبيقاتها في الحياة السياسية لوقفوا على ما يكفي ويشفي، فإن كان من نقدٍ ولا بدَّ فإن الأولى به هم المعاصرون المقصرون دون المتقدمين.
أما اتهام الشريعة بالقصور فتلك شكاة ظاهرٌ عنك عارها!