الحمد لله العلي الأعلى، الذي خلق فسوَّى، والذي قدَّر فهدى، تفرد بعلو الذات، وعلو الأسماء والصفات، فثبتت له جميع الكمالات، وصلى الله وسلم وبارك على مَن قال لأمته يوم عرفة: «أنتم تُسألون عني فما أنتم قائلون»؟ قالوا: نشهد أنك قد بلَّغْتَ، وأدَّيْتَ، ونصحْتَ. فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكُتُها إلى الناس: «اللَّهُمَّ اشْهَدْ، اللَّهُمَّ اشْهَدْ». ثلاثَ مرات ([1]).
وصلِّ اللهم على آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، ومَن اقتفى أثرهم وسار على دربهم إلى يوم الدين، وبعد:
فإن نزاع أهل القبلة حول مسألة إثبات الصفات الإلهية قديم معروف، ولقد تقرَّر-بحمد الله-معتقد أهل السنة مِن الصحابة فمَن سار على دربهم في كل عصر ومِصر، بأوضح دليل وأقوم سبيل.
ولقد عشنا بُرهةً من دهرنا في بلادنا -مصر المحروسة-وفي غيرها وأعلامُ السنة ظاهرةٌ ومنشورة، وألوية البدعة منكَّسةٌ ومطمورة، حتى جاء ما يبعث الفتن، ويثير المحن، ويجدد الإحَنِ، فتحوَّل شبابٌ عن جادَّة أسلافهم الصالحين إلى مُعْوَجِّ طرق المتكلمين، وانتحى آخرون إلى تالِف طرق المتصوفين، ونكَب آخرون عن منهاج السنة بأَسْرِه لِيلْتحِقَ بسبيل الرافضة الهالكين.
ومما أعان على وجود هذه الظاهرة الـمَرَضِيَّة غيرِ الـمَرْضِيَّة ضعفٌ علمي وتأصيلي حَلَّ في ربوع أهل السنة، بحيث قلَّت تلك المدارس العلمية وخبا شيء كثير مِن ضوئها، واشتغل البعض بإخوانه بدلًا مِن أعدائه! وانصرف آخرون إلى دعوة العامة عِوضًا عن تعليمِ وتربيةِ الخاصة، ومما زاد الطين بِلّة إقبال الدنيا على القلوب وانفساحها لها.
واجتمع مع هذا كله دعم داخلي وخارجي لأهل الأهواء والبدع، فهم في الداخل يُسلَّمون أَزِمَّةَ القيادة الدينية العامة، وهم في الخارج يؤسِّسون الاتحادات العالمية، ويُنشئون المؤتمرات الدولية، ويقيمون الكيانات المشبوهة، ويتسوَّلون على موائد الغرب الكافر والشرق الملحد، وغدا التواصِي عالميًّا بأن يكون التديُّن الغالب في الشرق الأوسط طرقيًّا وكلاميًّا فلسفيًّا!!
وما كان الإنسان يظُنُّ أن تنفتح كلُّ هذه الأبواب المغلقة على البدع والضلات، ولا أن ترتفع كل هذه الستور المرخاة على ألوان الانحرافات والمخالفات، وأنماط الأحزاب والتوجهات، التي لا جامع بينها إلا حرب هذا الإسلام العظيم، وتشويه وجهِ السُّنَّة الوضَّاء.
وما بالقلب مِن يأسٍ ولا بأسٍ -بحمد الله-فإن الله تعالى ناصرٌ دينه وسنة نبيه في كلِّ زمان ومكان، وهو سبحانه المتكفِّل بنصر أوليائه فوق كل أرض وتحت كل سماء، وهذه الحرب تشُدُّ -بحمد الله-ظهور أهل السنة، وتقوِّي قلوبهم، وتُعْجِمُ علومهم وفهومَهم، والحق أصيل باقٍ، والباطل دخيل زاهق.
ولما كان توحيد الله تعالى بأسمائه وصفاته مِن أعظم المهمات المتحتمات اشتدَّتْ عناية سلفنا الصالح بتأصيله وتفصيله، والاستدلال له وتعليله، فتارة يُفردون له المصنفات المستقلة، وأخرى يَعْرِضون له في ثنايا شروح الآيات البيِّنات والأحاديث المحكمات، ومِن ذلك النوع الثاني مِن العناية بتوحيد الصفات شرح حديث النزول من موطأ الإمام مالك، والذي شرحه الإمام ابن عبد البر في كتابه الجليل التمهيد.
وأهمية هذا الشرح ترجع لجملة أمور هي:
1-أن الشارح إمام متفق على إمامته وجلالته فتوثيقه والترضِّي عنه والإشارة إليه بمنصب الإمامة في الدين موضع اتفاق -بحمد الله-مِن أهل السنة جميعًا محدثين وفقهاء.
فأمَّا المحدِّثون فيَعُدُّونه حافظ المغرب بلا مدافع، طال في علم الحديث عمره، وعلا فيه سنده، وسارت بتصانيفه الركبان، وخضع لفَرْط علمه علماء الزمان.
وأما الفقهاء فيَعُدُّونه ممن بلغ رتبة الأئمة المجتهدين، اتسع في الفقه علمه، وقَوِي فيه فهمه، وسال في أوديته ذهنه.
وأما في أصول الديانة وأبواب الاعتصام بالسنة والاتباع فلقد كان سلفيَّ الاعتقاد مَتِينَ الديانة، على مذهب السلف لم يدخل في علم الكلام؛ بل قفا آثار مشايخه رحمهم الله.
ذلكم هو العَلَم الضخم، والإمام الفخم، شيخ الإسلام، وحافظ المغرب، أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر، القرطبي، الأندلسي، الإمام العلامة، المولود سنة 368هـ، والمتوفى سنة 463هـ، ليلة الجمعة عن خمس وتسعين سنة رحمه الله رحمة واسعة([2]).
وهو صاحب «الكافي» في مذهب مالك، و«التمهيد»، و«الاستذكار»، و«جامع بيان العلم وفضله» والتي لو لم يكن له سواها لكفاه في علو قدره وارتفاع كعبه، كيف وهي بعض مؤلفاته وطرَفٌ مِن مصنفاته.
اشتُهر رحمه الله بـ«ابن عبد البر»، وعُرف بسلامة المعتقَد، وطيب الأثر، وحسن الذِّكْر، وقبول الأمة، فما أعظمَ المنةَ على أهل السنة في كل عصر ومِصر!
قال في كتابه «جامع بيان العلم وفضله»: «ليس في الاعتقاد في صفات الله وأسمائه إلا ما جاء منصوصًا في كتاب الله، أو صحَّ عن رسول الله ÷، أو أجمعت عليه الأمة، وما جاء مِن أخبار الآحاد في ذلك كله أو نحوِه يُسلَّمُ له، ولا يُناظَرُ فيه»([3]).
وقال في مقدمة «تمهيده» مقرِّرًا قبول خبر الآحاد في مسائل الاعتقاد: «الذي نقول به أنه يوجب العمل دون العلم كشهادة الشاهِدَين والأربعة سواء، وعلى ذلك أكثر أهل الفقه والأثر، وكلُّهم يَدِين بخبر الواحد العدل في الاعتقادات، ويُعادي ويُوالي عليها، ويجعلها شرعًا ودينًا في معتقده، على ذلك جماعة أهل السنة ولهم في الأحكام ما ذكرنا، وبالله توفيقنا»([4]).
2-وُلِد الإمام بيقينٍ بعد وفاة أبي الحسن الأشعري وأبي منصور الماتريدي وانتشار مذهبهما في الأمصار، فكان سُنيًّا وسلفيًّا، ولم يكن متكلِّمًـا لا أشعرِيًّا ولا ماتُرِيديًّا؛ بل قال -ونِعمَ ما قال-: «أجمع أهل الفقه والآثار مِن جميع الأمصار أن أهل الكلام أهل بدع وزيغ، ولا يُعَدُّون عند الجميع في طبقات الفقهاء، وإنما العلماء أهل الأثر والتفقُّه فيه، ويتفاضلون فيه بالإتقان والـمَيْزِ والفهم»([5]).
ثم نقل كلام ابن خُوَيْزِ مَنْدادَ المصري المالكي المتوفَّى أواخر المائة الرابعة والذي فيه يقول: «أهل الأهواء عند مالك وسائر أصحابنا هم أهل الكلام، فكل متكلِّم فهو مِن أهل الأهواء والبدع، أشعريًّا كان أو غير أشعري، ولا تقبل له شهادة في الإسلام، ويُهجر ويؤدَّبُ على بدعته، فإن تمادى عليها استُتِيب منها»([6]).
ثم قال إقرارًا لهذا الكلام من نفس الكتاب: «ليس في الاعتقادات في صفات الله وأسمائه إلا ما جاء منصوصًا في كتاب الله… إلخ»([7]).
3-وبناء على ما سبق فإن ما قرَّره هذا الإمام مِن منهج التعامل مع أحاديث الصفات هو صحيح مذهب السلف قبل أن يُعرف تأويل أو تعطيل، وقبل أن يُسمع تفويض للمعاني أو تحريف، وهذا المنهج المسلوك هو ما نقل عن خير القرون السالفات على الهدى، وهو ما قفاه شيخ الإسلام ابن تيمية ومَن جاء بعده في مدرسته، ومن ينظر في كلام ابن تيمية وتلامذته ويقارن بينه وبين كلام ابن عبد البر يعلم أنه يخرج من مشكاةٍ واحدةٍ مع كون ابن عبد البر مات قبل ولادة ابن تيمية بنحو قرنين من الزمان!
وليس هذا منهج ابن عبد البر على التحقيق ولا غيره؛ بل هو معتقد أهل الإسلام الصافي مِن لوثات فلسفة اليونان، وهرطقة المناطقة، وشُبَه المتكلِّمين، والحمد لله رب العالمين.
ويطيب لنا قبل الحديث عن هذا الشرح وفحواه أن نُبَرْهِنَ على اتحاد منهج السالفين على الهدى، المجانِبينَ لسبل الرَّدَى مِن الأئمة الأعلام وشيوخ الإسلام، ولا سيما المتقدِّمين على زمن ابن عبد البر، وذلك في باب توحيد الأسماء والصفات جميعًا، ليقوم الدليل واضحًا والبرهان ساطعًا على صحة وثَبات واطِّراد هذا المنهج السلفي في مقابل التردُّدِ، والتذبذب، والحيرة، والتناقض عند الخلَف.
وعقيدةُ السلف في هذا الباب تقوم على الإيمان بالصفات جميعًا وحملِها على الحقيقة اللائقة بالله تعالى بغير تمثيل ولا تكييف، وفيما يأتي من الآثار برهان ذلك باختصار:
1-قال عمر س لما قَدِم الشام واستقبله الناس وهو على بعيره، فقالوا: يا أمير المؤمنين، لو ركبت بِرْذَونًا تلقاك عظماء الناس ووجوهُهم. فقال عمر: «لا أراكم ههنا، إنما الأمر مِن ههنا -وأشار بيده إلى السماء -خَلُّوا سبيلَ جملي»([8]).
وهو يدل على وصف الله تعالى بالعلو، وجواز الإشارة إليه في السماء.
2-وقال التابعي ربيعة بن عمرو الـجُرَشِي (ت:64هـ): في تفسير قوله تعالى: {وَٱلۡأَرۡضُ جَمِيعٗا قَبۡضَتُهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُ مَطۡوِيَّٰتُۢ بِيَمِينِهِۦۚ} [الزمر: 67].
قال:«ويدُه الأخرى خِلْوٌ ليس فيها شيء»([9]). أفلا يدل هذا على كونه يُثْبِتُ اليدَ على الحقيقة اللائقة بجلال الله تعالى دون تأويلها بالنعمة، أو القدرة، أو القوة؟!
3-وقال الإمام أبو حنيفة رحمه الله (ت:150هـ):
«وله يد ووَجْهٌ ونفْسٌ كما ذكره الله تعالى في القرآن، فما ذكره الله تعالى في القرآن مِن ذكر الوجه، واليد، والنفس فهو له صفات بلا كيف، ولا يقال: يده قدرته أو نعمته، لأن فيه إبطال الصفة، وهو قول أهل القدر والاعتزال»([10]).
4-وقال الإمام مالك رحمه الله (ت:179هـ):
«الكيف غير معقول، والاستواء منه غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، فإني أخاف أن تكون ضالًّا». وأمر به فأخرج([11]).
5-وقال الإمام الشافعيرحمه الله (ت:204هـ):
بعد أن ذكر الصفات وعدَّ عددًا منها: «فإن هذه المعاني التي وصف الله بها نفسه ووصفه بها رسوله ÷ مما لا يُدرك حقيقته بالفكر والرَّوِيَّة -فلا يَكْفُرُ بالجهل بها أحد إلا بعد انتهاء الخبر إليه بها، فإن كان الوارد بذلك خبرًا يقوم في الفهم مقام المشاهدة في السماع وجبت الدَّيْنُونَةُ على سامعه بحقيقته، والشهادة عليه كما عاين وسمع مِن رسول الله ÷، ولكن يُثْبِتُ هذه الصفات وينفِي التشبيه كما نفَى ذلك عن نفسه تعالى ذِكْرُه فقال: {لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٞۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ}»([12]) [الشورى: 11].
6-وقال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله (ت:241هـ): فيما ذكره عنه حنبل بن إسحاق
قال: «قلت لأبي عبد الله: ينزل الله تعالى إلى سماء الدنيا؟ قال: نعم، قلت: نزوله بعلمه أم بماذا؟ قال: فقال لي: اسكُتْ عن هذا. وغضب غضبًا شديدًا، وقال: مالكَ ولهذا؟ أمضِ الحديث كما رُوِي بلا كيف»([13]).
وقيل للإمام أحمد: إن الله ينزل إلى السماء الدنيا كيف شاء من غير وصف؟ قال: «نعم»([14]).
وهو صريح في إثبات نزول حقيقي لا مجازي.
7-وقال الإمام الترمذي رحمه الله (ت:279هـ):
«وقد قال غير واحد مِن أهل العلم في هذا الحديث وما يُشْبِهُ هذا مِن الروايات مِن الصفات ونزول الرب تبارك وتعالى كلَّ ليلة إلى السماء الدنيا قالوا: قد تثبت الروايات في هذا ويُؤمَنُ بها، ولا يُتوهَّمُ، ولا يُقال: كيف؟ هكذا رُوِي عن مالك، وسفيان بن عيينة، وعبد الله بن المبارك أنهم قالوا في هذه الأحاديث: أَمِرُّوها بلا كيف. وهكذا قول أهل العلم مِن أهل السنة والجماعة، وأما الجهمية فأنكرت هذه الروايات وقالوا: هذا تشبيهٌ»([15]).
وما قيمة اتهام الجهمية لأهل السنة بالتشبيه إذا لم يكن اعتقادهم إثبات الصفة على الحقيقة اللائقة به تعالى.
8-وقال الإمام الدارمي (ت:280هـ):
«فادَّعى المعارِضُ أن الله لا ينزل بنفسه إنما ينزل أمره ورحمته…» إلى أن قال: «وهذا أيضًا حُجَجُ النساء والصبيان ومَن ليس عنده بيان»([16]).
وقال في إثبات صفة اليد: «ووَلِـي خلْقَ آدم بيده مَسِيسًا»([17]).
وهو صريح في إثبات صفتي النزول واليد على الحقيقة التي تليق بجلال الله وكماله، ثم قال منكِرًا: «ونحن قد عرفنا -بحمد الله تعالى -مِن لغات العرب هذه المجازات التي اتخذتموها دُلْسة وأُغْلُوطة على الجهال، تنفون بها عن الله حقائق الصفات بعِلل المجازات»([18]).
9-وقال الإمام الطبريرحمه الله (ت:310هـ):
«والصواب مِن هذا القول عندنا أن نثبت حقائقها على ما نعرف مِن جهة الإثبات ونفي التشبيه، كما نفَى عن نفسه جلَّ ثناؤه فقال:
{لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٞۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ}» [الشورى: 11].
إلى أن قال: «فنُثْبِتُ كلَّ هذه المعاني التي ذكرنا أنها جاءت بها الأخبار، والكتاب، والتنزيل، على ما يُعقل مِن حقيقة الإثبات، وننفِي عنه التشبيه فنقول: يَسمع جل ثناؤه الأصوات لا بِخَرْقٍ في أذن، ولا جارحة كجوارح بني آدم، وكذلك يبصر الأشخاص ببصَرٍ لا يُشْبِهُ أبصار بني آدم التي هي جوارح لهم، وله يَدانِ، ويمينٌ، وأصابعُ، وليست جارحة ولكن يَدانِ مبسوطتانِ بالنِّعم على الخلق، لا مقبوضتانِ عن الخير، ووَجْهٌ لا كجوارح بني آدم التي مِن لحم ودم، ونقول: يضحك إلى مَن شاء مِن خلقه، لا نقول إن ذلك كشْر عن أنياب،ويهبط كل ليلة إلى سماء الدنيا»([19]).
10-قال الإمام ابن خزيمة رحمه الله (ت: 311هـ):
بعد ذكر آيتين كريمتين أولاهما قوله تعالى: {تَبَٰرَكَ ٱسۡمُ رَبِّكَ ذِي ٱلۡجَلَٰلِ وَٱلۡإِكۡرَامِ} [الرحمن: 78]، وثانيهما قوله تعالى: {وَيَبۡقَىٰ وَجۡهُ رَبِّكَ ذُو ٱلۡجَلَٰلِ وَٱلۡإِكۡرَامِ}[الرحمن: 27]:
«وفي هاتين الآيتين دلالةٌ أن وجه الله صفة من صفات الله، صفات الذات، لا أن وجه الله هو الله، ولا أن وجْهَه غيرُه، كما زعمت المعطلة الجهمية…»([20]).
11- وقال الإمام محمد بن علي الكَرَجِي المعروف بالقصَّاب رحمه الله (ت:360هـ):
قال في الاعتقاد القادري الذي وقع التصديق عليه مِن القاضي أبي يعلى وأبي الحسن القزويني وغيرهما: «لا يوصف إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به نبيه، وكل صفة وصف بها نفسه أو وصفه بها نبيه فهي صفة حقيقية لا صفة مجاز، ولو كانت صفة مجاز لتحتم تأويلها، ولقيل: معنى البصر كذا، ومعنى السمع كذا. ولفُسِّرت بغير السابق إلى الأفهام، فلما كان مذهبُ السلف إقرارَها بلا تأويل عُلم أنها غير محمولة على المجاز، وإنما هي حق بيِّن»([21]).
وقال ابن أبي يعلى في سياق معتقد والده في طبقات الحنابلة: «وما ذكرناه مِن الإيمان بأخبار الصفات مِن غير تعطيل، ولا تشبيه، ولا تفسير، ولا تأويل، وهو قول السلف بدءًا وعودًا، وهو الذي ذكره أمير المؤمنين القادر -رضوان الله عليه-في الرسالة القادرية، قال فيها: «وما وصف الله سبحانه به نفسه أو وصفه به رسول الله ÷ فهو صفات الله U على حقيقته لا على سبيل المجاز». وعلى هذا الاعتقاد جمع أمير المؤمنين القادر بأمر الله رضوان الله عليه مَن حضره مع الوالد السعيد -أي القاضي أبي يعلى -مِن علماء الوقت، وزاهدهم أبو الحسن القزويني سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة وأخذ خطوطهم باعتقاده»([22]).
وبعد: فقد كان هذا أنموذجًا لما عليه السلف -بمجموعهم بلا مدافعة-من إثبات الصفات، وتحاشي التأويل، والتمثيل، والتكييف، ولولا ضرورة الاقتصار والاختصار لأتينا بأضعاف هذه الآثار في كل طبقة مِن الطبقات -بحمد الله تعالى-فلينظر امرؤ لنفسه فيما يعتقد في صفات ربه، والحاصل أن أسلافنا مِن لدن أصحاب نبينا يؤمنون بصفات الله تعالى ويُثبتونها إثبات وجود وكيفية لا إثبات علم بالكيفية، ويوجبون حملها على الحقيقة اللائقة بجلاله وكماله تعالى ويحملونها على ظاهرها المتبادر، ويَنْفُون عنها التمثيل، والتأويل، ويتحاشون التفويض في معناها، ويقولون: القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر.
ولقد كان لهذا الشرح لحديث مِن أحاديث «الموطأ» أهمية بالغة وذلك للمنهج المنفرد الذي نحاه أبو عمر ابن عبد البر رحمه الله، ونشير إلى هذه المعالم المنهجية بشيء مِن الإيجاز ليكون طريقًا يقتفى فيه أثره رحمه الله:
أولًا: رأينا الإمام يُثبِّت أولًا هذا الحديث ويوثِّقه ويتكلم عن رواياته ورجاله، تثبيت الأصل المستنَدِ إليه في بيان العقيدة.
ثانيًا: ثم تناول إثبات العلو والفوقية له تعالى، وذلك لأن النزول يدل عليه، وعرَّج على إثبات الاستواء على العرش لأنه في جهة العلو أيضًا، وذكر الآيات الدالة على الاستواء مقرونة بآيات تدل على الاستعلاء، وعرَّض بأقوال الجهمية المخالفين منكِرًا لها.
ثالثًا: تناول أقوال المخالفين وشبهاتهم بالتفنيد، ورد على دعوى المجاز في الاستواء، وبين أن الأصل في الكلام الحقيقية وحدَّد معنى الاستواء في اللغة، وردَّ أثرًا مُنكَرًا عن ابن عباس يستدل به المخالفون.
رابعًا: رتَّب الأدلة على العلو ترتيبًا صحيحًا فجاء بدلالة الفطرة على العلو، ثم ثنَّى بالأدلة النقلية، ثم ثلَّث بالأدلة العقلية، ونفَى جريان القياس بينه تعالى وبين خلقه.
خامسًا: تناول صفة النزول ببيان الموقف الصحيح منها، وذكر عقيدة أهل السنة في باب الصفات إجمالًا، وانتقد طريقة المتكلمين المتأوِّلين، وردَّ على مَن نقَل التأويل عن الإمام مالك وغيره، كما ردَّ على المتكلمين المفوِّضين لمعاني الصفات.
سادسًا: في ثنايا ردِّه أثبت الرؤية لله تعالى في الآخرة، وردَّ الشبهة الواردة حول الرؤية.
سابعًا: استكمل شرح الحديث ببيان فضيلة الاستغفار وأهميته، والدعاء في ثلث الليل الآخر ومزيَّته.
كل هذا الإمتاع في شرح حديث النزول، فهذا الشرح بحق يستحق أن يُفرد في مصنَّف، وأن يُشرح في مؤلَّف.
وإذا كان هذا معتقَد حافظ المغرب المتوفَّي سنة 463هـ فهوأيضًا-معتقَد حافظ المشرق الخطيب البغدادي المتوفَّى نفس السنة حيث قال: «أما الكلام في الصفات فإن ما رُوِي منها في السنن الصحاح مذهب السلف -رضوان الله عليهم -إثباتُها وإجراؤُها على ظواهرها، ونفي الكيفية والتشبيه عنها، وقد نفاها قوم فأبطلوا ما أثبته الله سبحانه، وحقَّقها قومٌ مِن المثبِتين فخرجوا في ذلك إلى ضَرْبٍ مِن التشبيه والتكييف، والقصدُ إنما هو سلوك الطريقة المتوسطة بين الأمرين، ودين الله تعالى بين الغالي فيه، والمقصِّر عنه، والأصل في هذا أن الكلام في الصفات فرع الكلام في الذات، ويُـحتذَى في ذلك حذوه ومثاله.
فإذا كان معلومًا أن إثبات رب العالمين U إنما هو إثبات وجود لا إثبات كيفية، فكذلك إثبات صفاته إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف، فإذا قلنا: لله تعالى يد، وسمع، وبصر. فإنما هي صفات أثبتها الله تعالى لنفسه، ولا نقول: إن معنى اليد القدرة، ولا: إن معنى السمع والبصر العلم، ولا نقول: إنها جوارح. ولا نشَبِّهها بالأيدي، والأسماع، والأبصار التي هي جوارح وأدوات للفعل، ونقول: إنما وجب إثباتها لأن التوقيف ورَد بها، ووجب نفيُ التشبيه عنها لقوله تبارك وتعالى:{لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٞۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ} [الشورى: 11]، وقوله U: {وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ كُفُوًا أَحَدُۢ}»([23]) [الإخلاص: 4].
فاللهم أَرِنا بفضلك الحق حقًّا وارزقنا اتباعه، وأَرِنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه، وثبِّتْ يا رب على الحق قلوبنا، وصرِّف يا رب على الطاعة جوارحنا وجوانحنا، برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
([2]) ينظر ترتيب المدارك (8/ 127)، و الديباج المذهب (ص440)، وتاريخ الإسلام للذهبي حوادث ووفيات سنة 461 -470هـ (31/ 142)، و سير أعلام النبلاء (18/ 161، 162).
[3])) جامع بيان العلم وفضله (2/943).
[4])) التمهيد (1/302،303).
[5])) جامع بيان العلم وفضله (2/ 942).
[6])) المصدر السابق(2/ 943).
[7])) المصدر السابق (2/943).
([8]) أخرجه ابن أبي شيبة (7/9)، وأبو نعيم في الحلية (1/47)، وابن قدامة في صفة العلو (ص111)، والذهبي في العلو (ص62) بإسناده إلى ابن أبي شيبة وقال: إسناده كالشمس.
([9]) أخرجه ابن جرير في التفسير (24/25)، وعبد الله بن أحمد في السنة (2/501).
([10]) الفقه الأكبر مع شرحه (ص27).
[11])) ينظر الرد على الجهمية (104)، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة (664).
([12]) طبقات الحنابلة في ترجمة الشافعي (1/283)، وذكر طرفا منه ابن حجر في الفتح (13/407).
([13]) المختار من الإبانة تتمة الرد على الجهمية المجلد الثالث (184)، و شرح أصول اعتقاد أهل السنة لللالكائي (3/453).
([14]) أخرجه أبو يعلى في إبطال التأويلات (1/260)، وينظر مجموع الفتاوى (6/146).
([15]) ينظر سنن الترمذي (3/50).
([16]) الرد على المريسي (1/214).
([17]) الرد على المريسي (1/230).
([18]) الرد على المريسي (2/855).
([19]) التبصير في معالم الدين (ص141-145).
([21]) ينظر المنتظم لابن الجوزي في حوادث سنة 433هـ، ودرء التعارض (6/254)، والصواعق المرسلة (4/1288)، وسير أعلام النبلاء (16/213، 214).
[22])) طبقات الحنابلة (3/ 391، 392).
([23]) رسالة الصفات للخطيب (ص3)، وقد روَى هذا الأثر الذهبيُّ في السير(18/283،284) بسنده إلى الخطيب.