اختار أردوغان أن يلقي خطاب النصر بعد دخول يوم 29 مايو، مع كون النصر قد ظهر وأُعلن قبل ذلك بساعات؛ ليوظف ذكرى فتح القسطنطينية الذي تزامن مع نصره الانتخابي السابع عشر على التوالي، بدون هزيمة! ووقف مذكِّرًا بحديث فتحِها، ومستلهمًا النصرَ بأدواتِ فتحٍ ثانٍ! وهو ما يزال يذكر كلمات شيخ له من العرب سأله عن رأيه في إنجازاته قبل بضع سنوات، فقال له: فاتح جديد!
فأصبح الناس يومَها لا يدرون بأيِّهما يفرحون: بتجديد العهدة الأردوغانية، أم بذكرى فتح القسطنطينية؟!
لقد مثَّلتِ الانتخابات التركية في جولتها الثانية تأكيدًا لاختيار إسقاط الاستبداد والديكتاتورية!
كما أكَّدت على انتصار الهوية، وتحقُّقِ النجاح بنسبة حقيقية، لم تخرج عن معهود الدول الديموقراطية في هذا العالم، بما لم يدع لمدَّع إفكًا أو بهتانًا!
وبعد أن أعلن أردوغان عن تشكيل حكومته بأغلبية وجوه جديدة من حزبه، وبحضورٍ ملحوظ لكفاءات من خارج حزبه قال -مستشعرًا تحدياتٍ هائلةً-: «إن تركيا مجبرة على أن تعمل وتجتهد أكثر! ونحن -بعون الله-سنبذل قصارى جهدنا لتحقيق أهدافنا».
ونبَّه إلى أنه سيبني (مئوية تركيا) القادمة على أساسين من: الأمن، والاستقرار، منوِّهًا بأنه سيتقدَّم بخطوة جديدة في تعديل الدستور بمقترحات تُقدَّم إلى البرلمان! متمنيًا أن تتعلم المعارضة الدرسَ مما حصل، فتراعي مصالح البلاد، خصوصًا فيما يتعلق بالأمن القومي، واعدًا بحلِّ مشكلات الجماهير من غلاء الأسعار، ومبشِّرًا بتطوير الحدِّ الأدنى للأجور.
تلك كانت مجرد إشارات إلى التحديات الهائلة التي ترتبت على انتخابات أَكَّدت -بإجمالٍ-الفوزَ الصعب للرئيس وتحالفه السياسي.
أما تفصيل تلك التحديات، وترتيب تلك الأولويات فهذا ما نتناوله في هذه المقالة بما يجلِّي الصورة، ويفصح عن مسارات الأولويات.
أولًا: الانقسام حول الهوية:
لقد بات واضحًا: أن أحد أكبر التحديات التي تواجه تركيا في مئويتها المقبلة هو: الانقسام الحاد حول هوية تركيا، التي تزيد أعراقها عن ثلاثين عرقية، وقد لوحظ أن (التصويت الأيديولوجي) كان حاضرًا بقوة، وأن (حزب الشعب) قد استطاع أن يضيف إلى كتلته التصويتية الثابتة كتلةً حليفةً من الحزب الكردي المعارض (نحوًا من 12%) من غير كتلتهما التصويتية، ما يعني: ضعفًا ملحوظًا للمؤسسات الدينية -الرسمية، وغير الرسمية-في تقوية ارتباط الأتراك بهويتهم الدينية السُّنية!
وأن نسبةً مقدَّرة من عامة الشعب السُّني تستجيب للنزعات القومية والتغريبية، وربما تُقدِّمها على مفاهيمَ دينيةٍ بدهيةٍ؛ كالولاء لأهل الإسلام والسنة، والبراء من أهل العلمانية والباطنية والبدعة!
كما أشارت نتيجة انتخابات الرئاسة إلى وجود حالة من التصالح مع العلمانية، واشتراك رسمي وشعبي ومعارض في تقدير رأسها التاريخي، وأن هنالك محاولاتٍ لأسلمتها، وإعادة تعريفها بما لا يجعلها مستنكَرةً!
وقد ساهم في هذا التضليل بعضُ الشخصيات ممن ينتسب للدعوة إلى الإسلام، وأحزابٌ يغلب عليها المزاج الإسلامي!
لقد تمكنت الباطنية من تنظيم صفوفها، وتحالفوا مع العنصرية الكردية، والتقوا مع الأحزاب القومية المتطرفة، كما لوحظ صعود القوميين بشكل عام، بما يجعل من هذه التركيبة الشعبية تهديدًا للتجربة الأردوغانية!
بل قد يذهب البعض إلى أن القوميين المتحالفين مع حزب العدالة والتنمية قد يطمعون في إرثها، بعد غياب نجم أردوغان!
وبشكل عام فإن السعي في تخفيف حدَّة هذا الانقسام من أهم ما يجب العمل عليه داخليًّا، والنجاح في التغيير الفكري والعقدي والمنهجي، وبناء الولاءات على أساس من الإسلام، لا القومية، ولا الطائفية-هو أكبر ضمانة لتقليل أثرِ التصويت على أساس أيديولوجي، أو طائفي، أو مصلحي دنيوي؛ ليحلَّ محلَّ ذلك رعايةُ الاعتبارات الإسلامية في الاختيارات السياسية، مع أن الصلاتِ والعلائقَ القومية والعِرقية مرعيَّةٌ، بما لا يتعارض، ولا يتقدَّم على الهوية الإسلامية.
قال تعالى: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَرٖ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبٗا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْۚ إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٞ} [الحجرات: 13].
وهنا يأتي عملٌ مستحقٌّ للدعاة والعلماء والمؤسسات الدينية والتربوية والشبابية جنبًا إلى جنبٍ مع المؤسسات الإعلامية والثقافية؛ ليتكامل التوجيه الديني مع العمل السياسي في مواجهةِ الاستقطابِ السياسيِّ والطائفي شديدِ الخطورة، وإحداث تصالح مجتمعي أساسه الإسلام المحض.
ثانيًا: الاجتهاد في استيعاب الجماهير المخدوعة والشرائح القريبة من المعارضة، واحتواؤها في مشروع: (قرن تركيا):
إن الشرائح التي جرى استغواؤها مِن قِبل المشروع العلماني الباطني المتحالف مع غلاة القوميين يمكن أن تجد في مشروع التحالف المقابل بغيتها، من حيث مواجهة التحديات الاقتصادية، وغلاء الأسعار، وتيسير سبل الحياة، وذلك بما يصرفها عن التصويت العقابي لأجل انهيار الليرة، وتدني مستويات الدخل الخاص بالأفراد.
إن هذه الكتلة الرخوة إذا وُجِّهت لها العناية الكافية عبر برامجَ تحتوي جهودها، وتربطها بمشاريعَ إنتاجيةٍ ناجحة، وقدرٍ من التوجيه الديني عبر مشاريعَ تربويةٍ تستوعب كثيرًا من الشباب والفئات المهمَّشة-فإن ذلك سيفضي إلى كسبها للمشروع الإسلامي دينيًّا وسياسيًّا.
وفي مقابل هذه الشرائح المخدوعة علمانيًّا وطائفيًّا هناك شريحة صغيرة تقاطع المشاركة لاعتراضها على الأداء السياسي من وجهة نظر شرعية!
فهي تَعُدُّ هذه الممارساتِ علمانيةً مرفوضةً، وبالتالي لا تشارك ولا تدعو أحدًا لأن يشارك، وهي شريحة محدودة، لكنَّ تصحيحَ نظرِها مطلوبٌ؛ إذ الشرع والعقل يؤكِّدان عدم العدول عن نور فيه ظلمة إلى ظلمة لا نور فيها، وأن الأمور بمقاصدها، وبمآلاتها، وأن تقليل الشر وتكثير الخير مقصِدٌ من مقاصد الشريعة، وأن الله لا يؤاخذ عند الاضطرار إلى المحرمات، وأن التغيير السياسي ليس هو كلَّ التغيير المطلوب والواجب، والتأكيد على أن البديل عند الاعتزال لن يكون إلا العلمانية الباطنية المتحالفة مع اليهود والنصارى، ما يعني: انتكاسةً هائلةً! ومفاسِدَ متحقَّقَةً، وقهرًا وفسادًا لا يرضاه عاقل.
والسياقات الزمنية والمكانية التي خاضتها التجربة الأردوغانية لا تسمح لها بأكثرَ من ذلك، والفرق واسع بين حال الاستضعاف والاستخلاف، وبين أحكام الضرورة والاقتهار وأحكام السعة والاختيار!
وأن المناورة السياسية على أرضية علمانية معسكَرة يسوغ لها ما لا يسوغ على أرضية إسلامية مدنية!
وأن الواقع بطبيعته ليس جامدًا ولا ثابتًا، وإنما التغيير يسري في المجتمعات بحركة دائبة، وإن كانت بطيئة، وأن قرون الفساد والانحلال لا تصلح بقرار سياسي، أو سيادي، وأن التدرُّج سنة إلهية في التغيير والإصلاح لا يجوز مع العجز تجاوُزُها، وإلا فإنَّ من حَمَلَ الناس على الخير جملةً أوشك أن يتركوه؛ بل يُسقطوه جملةً!!
ومتى اصطبغ المزاج الشعبي بالإسلام فإن التحوُّل إلى استكمال ما نقص سيكون ميسورًا.
ثالثًا: تمكين الشباب وتسليمهم مسئولية مرحلة ما بعد أردوغان:
فلا بد من تحضير جيد لأولئك الشباب على مستوى الحزب والأمة؛ ليكونوا عماد مشروع تركيا ما بعد أردوغان، وإذا تحقَّق كسبُ هذه الشريحة للمئوية المقبلة؛ فإن هذا يعني: كسب الفئةِ الأكثرِ تأثيرًا، والأقدرِ على مواصلة الطريق، والسنوات الخمس المقبلة ينبغي أن تشهد بناءً لرموز جديدة تمثل المشروع، وتسعى في استكمال مسيرته.
ولا يتأتى هذا إلا بدعم القطاع التعليمي بكل مراحله، وتكثيف محتوى الهوية في المقررات الدراسية، والمحاضن التربوية، وتفعيل أدوات الدولة كافَّةً في تعزيز الانتماء للمشروع الذي يحمل الإسلام، وذلك عبر وزاراتِ ومؤسساتِ التعليمِ والدعوة والإعلام.
رابعًا: تنتظر الأمة الإسلامية من التجربة الأردوغانية مشروعًا إسلاميًّا أمميًّا وحلولًا شاملةً:
لا شك أن المنطقة العربية والشعوب الإسلامية تنظر بفخر إلى التجربة التركية، لا سيما تلك الشعوب التي تنطق بالتركية في آسيا الوسطى والقوقاز وغيرها.
وهي جميعًا تنتظر مزيدًا من تقوية الصِّلات وشدِّ أواصر العلاقات، وإقامة مشاريعَ كبرى تنتهي بتحقيق نهضة الأمة الشاملة.
وجزءٌ من تلك الآمال التي لا تتجزأ إحداثُ توازُنٍ سياسي واستراتيجي في المنطقة العربية؛ بحيث ينأى بالنظم العربية والإسلامية من الانبطاح للمشروع الغربي، ويسعى لإيجاد تحالفات أخرى، تُبنَى على مزيد من التحرر والاستقلال، وتهيئ العالم العربي والإسلامي للخروج من حالة التبعية الاقتصادية والسياسية التي تخيم اليوم!
إن التجربة التي بدأها (مندريس)، ثم جدَّدها (أربكان)، ثم بلغ غايتها (أردوغان) جديرةٌ بأن تتقدَّم وتُقدِّم للأمة خارطةَ طريقٍ للنهوض الحضاري، ولا شك أن نجاح التجربة داخليًّا يفتح آفاقًا للنجاح الخارجي، وقد تعزَّزت تركيا بممثلين عن كثير من دول العالم العربي والإسلامي، وغَدَوا فاعلين في مجتمعها، وقادرين على نقل التجربة إلى مجتمعاتهم، مع رعاية الخصوصيات، والاعتبارات الخاصة بتلك المجتمعات.
وما من شك أن الأمة تنظر لما قدَّمته تركيا في الملف السوري والليبي وغيرهما نظرةَ تقديرٍ، وتنتظر المزيدَ ليصل أهلُ تلك البلاد إلى أفضل ما يتأتى لهم من خيارات، وليحموا ما بقي من دمائهم وأعراضهم، وما تحقَّق لهم من مكتسبات، وقد أصبحت تركيا جزءًا من حل تلك المعضلات، واللاجئون والمهجَّرون السوريون ينتظرون حلولًا شاملةً تُوجِد حالةً من الرضا والاتزان بين المبادئ والقيم من جهة، والمصالح التركية من جهة أخرى.
ولا يفوت أن جالياتٍ عربيةً تأمل أن تتوسط تركيا سياسيًّا لدى بلدانهم لإحداث حالةٍ من المصالحة، والمفاوضة في ترتيب أمورهم داخل بلادهم؛ وذلك نظرًا لما تتمتع به السياسة التركية من قبول ومصداقية.
وأخيرًا: فإن تركيا تمثل -اليومَ-رأسَ قاطرةِ العالم الإسلامي في مجالات عديدة، والنظم العربية تنظر إلى منجزاتها، وترجو أن تحذو حذوها، ولو في بعض الملفات، ولا شك أن التعاون معها في تحالفات جادة ومثمرة سيعود نفعه الاقتصادي والسياسي على الأمة بأَسْرها؛ فاللَّهُمَّ هيِّئْ لأمة محمد ﷺ من أمرها رَشَدًا، واجعل عاقبةَ أمرها خيرًا ويسرًا ونصرًا؛ إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.
